لم يعد يفصلنا عن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة سوى وقت قصير، وهو ما يطرح بقوة سؤال تحولات السلوك الانتخابي في المغرب، في ظل التسارع الكبير الذي تعرفه الوسائط الرقمية واعتماد المواطنين المتزايد على المنصات الرقمية كمصدر للمعلومة والتفاعل السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول ما إذا كنا نشهد بداية تشكل ناخب رقمي، يتأثر بالمحتوى المتداول عبر الفضاء الافتراضي، وبآليات التوجيه والتأثير التي تتيحها الخوارزميات، وهو ما يعيد طرح سؤال طبيعة القرار الانتخابي في العصر الرقمي وحدود استقلاليته.
في هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع رفاييل ليوجيه، عالم اجتماع فرنسي ومؤسس كرسي الانتقالات (Chair of Transitions) بمعهد الدراسات المتقدمة التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، أفاد من خلاله أن الحديث عن "ناخب رقمي" لا يزال مسألة نسبية وغير مكتملة التبلور في العديد من السياقات، بما فيها المغرب.
وأوضح أن تأثير الفضاء الرقمي على السلوك الانتخابي أصبح واقعا لا يمكن إنكاره، لكنه يظل متفاوتا حسب مستوى الانخراط في العالم الافتراضي، معتبرا أن الخطر الحقيقي يكمن في تزايد قابلية التأثير والتوجيه عبر المنصات الرقمية والخوارزميات، أكثر من كونه تحولا كليا في نمط الناخب.
إلى أي مدى يؤثر الذكاء الاصطناعي اليوم على السلوك الانتخابي للمواطن المغربي؟
لا يؤثر الذكاء الاصطناعي فقط على السلوك الانتخابي للمواطن المغربي، بل على السلوك الانتخابي للمواطن بشكل عام في جميع البلدان التي يوجد فيها ناخبون. غير أن الخاصية الأساسية للذكاء الاصطناعي هي أنه يعمل على تضخيم رغباتنا، بما في ذلك أحيانا رغباتنا السلبية، كما يقوم أيضا بتضخيم مخاوفنا وقلقنا.
ومن المعروف، اليوم، أن السياسة تعتمد بشكل كبير على تضخيم مشاعر القلق والخوف: الخوف من الآخر، والخوف من الأجنبي، والخوف من المستقبل، والخوف من مختلف التهديدات المحتملة.
وفي هذا السياق، يأتي الفاعل السياسي ليقول: أنا سأحل مشاكلكم، ولن تعودوا بحاجة إلى الخوف، وسأوفر لكم الأمن والطمأنينة.
ومن هذا المنظور تحديدا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يؤثر فعلا في السلوك الانتخابي للمواطن.
هل يمكن الحديث عن ناخب "موجه" من طرف الخوارزميات بدل قناعاته؟
في نهاية المطاف، نعم. لكن هذا يرتبط بمستوى التعليم وبمدى القيام بعمل روحي وفكري. فإذا لم يتم هذا العمل من أجل التحرر من التعلق أو "الإدمان"، وظل الإنسان في حالة إدمان، فإن الشخص المدمن يمكن توجيهه إلى القيام بما يراد منه. فهو لا يعود في حالة وعيه الطبيعية.
تماما كما هو الحال بالنسبة لشخص مدمن على المخدرات، إذ يمكن دفعه إلى تبني سلوكيات مختلفة، لأنه لم يعد هو نفسه، ويمكن جعله يتصرف وفق ما يريده الآخرون، بما في ذلك سلوكه الانتخابي الذي قد يكون موجها حسب رغبات جهة ما. بل يمكن أيضا دفعه إلى سلوكيات أخرى في مجالات مختلفة، حتى وإن كانت ضد مصلحته، لأنه واقع تحت تأثير الإدمان.
وبشكل عام، كلما كان الإنسان في حالة إدمان، وهنا تكمن إشكالية الذكاء الاصطناعي، فإنه يمكن أن يخلق نوعا من الإدمان الفكري، أي إدمانا على مستوى القدرة على التفكير واتخاذ القرار، حتى فيما يتعلق بما يخدم مصلحته.
هل يهدد الاستهداف السياسي الدقيق (الميكرو-تارغيتينغ) حرية اختيار الناخبين؟
مرة أخرى، إذا كان الناخبون يسمحون بذلك، فبالطبع يمكن أن يهدد هذا الاستهداف حرية الاختيار لديهم. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أنه في مجتمع أصبح فيه من الصعب الانفصال عن عالم الصور والترفيه، يتم فقدان العنصر الأساسي، أي القدرة على التمييز.
وإذا غاب هذا التمييز، فإن الإنسان يتحول إلى ما أسميه في عملي، وفي كتابي الأخير "النجاح: تصدير الكذب" الذي تناولت فيه السياسة وأنماط هذا الاستهداف، إلى حالة يتم فيها "توصيف" العالم، أي أننا نصبح جميعا عبارة عن ملفات بيانات (data). بل إننا نقوم نحن أنفسنا بعملية "توصيف ذواتنا".
وعندما نحول أنفسنا إلى ملفات بيانات، نصبح مجرد "بروفايل" رقمي، ونقدم ونصنف على هذا الأساس، بحيث ينظر إلينا كأننا مجرد نمط معين من الناخبين، أي كفئة إحصائية.
هذا التصنيف يجعل الإنسان لا يعدو كونه مجموعة من البيانات. وكما أقول، نحن أنفسنا نتحول إلى نوع من الذكاء الاصطناعي أو إلى ملف إحصائي. وبالتالي فإنه يفقد وجوده الفعلي، ويصبح موضوعا دائماً للاستهداف الدقيق، ليس فقط في السياسة، بل في كل المجالات، لأن السياسة نفسها أصبحت شكلا من أشكال التسويق.
وهو ما يسميه هابرماس التسويق السياسي. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي هو المرحلة القصوى للتسويق السياسي، أي الاستهداف الدقيق بواسطة الذكاء الاصطناعي.
هل نشهد بروز "ناخب رقمي" في المغرب؟
لا أعرف إن كنا في المغرب قد وصلنا إلى هذا المستوى، ولا حتى في دول أخرى مثل فرنسا أو أوروبا. ربما يكون هذا الطرح أكثر انطباقا على الولايات المتحدة، حيث يصبح الناخب أكثر قابلية للتوجيه لأنه يعيش بشكل دائم داخل العالم الافتراضي، وبدرجة أقل داخل العالم الواقعي.
أما في المغرب، فيمكن القول إن التحول نحو "الناخب الرقمي" موجود بشكل جزئي فقط. وهذا سؤال مهم، لأن الخطر الأساسي لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في أن يصبح الإنسان نفسه شبيها بالذكاء الاصطناعي، نتيجة الصورة التي يبنيها عن ذاته وتفاعله المستمر مع الفضاء الرقمي.
لكن هذا "الذكاء" سيكون ضعيفا مقارنة بالذكاء الاصطناعي الحقيقي، لأنه لا يمتلك نفس القدرة على الربط والتحليل الإحصائي. وبالتالي، قد يتحول الإنسان إلى نوع من الذكاء الاصطناعي غير المتطور أو ما يشبه "العبودية الرقمية"، أي خضوعه المستمر لنزواته ودوافعه التي يمكن استغلالها وتوجيهها.
ومن هذا المنظور، فإن القرار السياسي، وخاصة التصويت، يرتبط إلى حد كبير بدوافع وانفعالات لا تكون دائما خاضعة للوعي أو التحكم العقلاني الكامل.