حموني: هيمنة ثلاثة أحزاب أدت إلى حرمان البرلمان من آلية دستورية للرقابة وكرست فقدان الثقة في الانتخابات

خديجة قدوري

سلط رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، الضوء على التحديات التي تخفيها الاستحقاقات المقبلة، مؤكدا أن الانتخابات تبقى هي الآلية التي ابتدعتها البشرية من أجل التصريف السلمي والحضري للتناقضات والاختلافات الموجودة في أي مجتمع.

وأبرز في مداخلته خلال الندوة التي احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، أن جميع البحوث والتجارب الحديثة المقارنة أثبتت علميا أن الدول التي تعيش استقرارا سياسيا ومؤسساتيا ولديها حياة ديمقراطية تكون من أكثر الدول التي تحقق النمو الاقتصادي، وتكون لديها القدرة على مواجهة أزمات ظرفية أو صحية مالية أو كوارث لأن نسبة المشاركة في الانتخابات هي أحد المؤشرات الأساسية التي تبرز مدى تملك المواطنين من المشروع المجتمعي لدولتهم ومدى ثقتهم فيه.

وأوضح حموني، أن الإجابة على أهمية الانتخابات تمر عبر آلية التنافس، والذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع. أولا، التنافس على السلطة وهو صراع مشروع. ثانيا، التنافس السياسي الشكلي، حيث تحتكر السلطة الحكم. ثالثا، التنافس السليم والديمقراطي. حاليا توجد بعض البلدان التي لا يسمح فيها بأي تنافس سياسي، مثل كوريا الشمالية، بينما نجد في دول أخرى انتخابات شكلية تستخدم لشرعنة الحكم.

التنافس السياسي في المغرب: بين السيطرة التاريخية والانفراج النسبي

عرف المغرب منذ أول انتخابات تشريعية سنة 1963 مسارا انتخابيا تراكميا تميز بتعدد الإصلاحات القانونية والمؤسساتية واختلاف السياقات السياسية التي نظمت فيها الاستشارات الشعبية وعلى الرغم من التطورات التي شهدها التأطير الدستوري والقانوني للعملية الانتخابية، لا سيما بعد دستور 2011، يبقى تقييم الديمقراطية التمثيلية مرتبطا بمدى فعالية القواعد الانتخابية في ضمان التمثيل العادل، وقدرتها على تنظيم تنافس سياسي فعلي يؤدي إلى تداول السلطة، فضلا عن مساهمتها في رفع نسب المشاركة وتعزيز الثقة في المؤسسات.

في هذا السياق، قال حموني، إن التنافس السياسي في المغرب، يصعب فهمه دون العودة إلى الوراء، وفي الاستقلال مرورا بالستينيات والسبعينيات والثمانينيات كان هناك صراع بين المؤسسة الملكية والقوى الوطنية، الصراع اتخذ أشكالا متعددة لكنه كان في العمق حول مشروعية السلطة واقتسامها وحول بناء ديمقراطية حقيقية، وقد استعملت السلطة في صراعها عدة وسائل للتحكم منها التمييع وإغراق الحياة الحزبية بخلق أحزاب إدارية كثيرة جسدت امتداد السلطة، أكثر مما كانت تعبر عن المجتمع.

وأشار إلى أنه تم تبخيس العمل السياسي عبر تقديم كل الأحزاب للمجتمع على أنها متماثلة، والضبط الاستباقي للخريطة الانتخابية عبر آلية التقطيع ونمط الاقتراع، وباقي قواعد التنافس الانتخابي.

ولفت الانتباه إلى أنه في التسعينات كان هناك نوع من الانفراج السياسي، بحيث تحسنت قواعد اللعبة الانتخابية والممارسة الانتخابية لكن مع الإبقاء على السلطة مما أدى إلى التناوب التوافقي، وذلك بناء على نتائج الانتخابات التشريعية 1997 وإقرار دستور 1996.

وأضاف أنه في هذه المرحلة نتحدث عن الحل الوسط والتاريخي والذي من تجلياته السماح بانتخابات أفضل وبدخول أحزاب الكتلة للبرلمان بشكل أوسع، لكن السلطة ظلت قابضة على قيود اللعبة من خلال أحزاب إدارية، حيث تم إدخالها إلى حكومة اليوسفي، من خلال التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع كذلك.

وتابع حموني، أنه تم لاحقا تسجيل انخفاض التدخل المباشر للسلطة في الانتخابات، واقتراب قواعد اللعبة من معايير النزاهة والشفافية على الأقل من الناحية الشكلية، وانخفاض منسوب الطعن السياسي في مجال الانتخابات وصعود أطر مناضلة إلى البرلمان مع ذلك انتقل ضغط الانتخابات من الآلية القانونية إلى آلية الممارسة، على اعتبار أن الاختلالات الانتخابية أصبحت في الممارسة أكثر من قواعد اللعبة.

هيمنة الأحزاب وتقويض الثقة: الأزمة الحقيقية للانتخابات

في هذا الإطار، قال حموني إنه في مرحلة الألفية الثالثة سجلنا إضعاف الحركة الوطنية بحيث لم تعد جدارا يحتاج المحاربة بنفس الشراسة، واعتماد كافة الأحزاب على مرشحين يتوفرون على حظوظ الفوز، بغض النظر عن الارتباط الفكري أو المرجعية السياسية، القطع مع ممارسة التزوير المباشر كما كان في السابق، وتراجع كبير لمنسوب الثقة لدى المثقفين والشباب، بالإضافة إلى انتقال معدلات التصويت المكثف من المدن إلى القرى، وبروز مسألة تمثيلية الشباب والنساء كأولوية بسبب الربيع العربي.

واستطرد أن الملاحظ أنه مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية خصوصا التشريعية تتم مراجعة القوانين، واعتبر من منظوري الشخصي أنه داخل كل مجتمع ودولة هناك مراحل تاريخية تضع قواعد تأسيسية للتنافس الانتخابي غالبا يتضمنها الدستور، أو عند تغيير نظام سياسي، هذه القواعد تتميز بأن هناك قواعد ثابتة ومستدامة يصعب تغييرها وتعبر عن توافقات كبرى في المجتمع، وهناك قواعد للتنافس الانتخابي المتغيرة التي تقتضيها تحولات معينة مثلا الرقمنة والتقطيع والمهاجرين.

وخلص إلى القول إنه داخل الديمقراطيات الناشئة أو الهجينة يمكن أن نجد قواعد جديدة، وهذه الظاهرة من شأنها أن تضعف قوة الانتخابات تماما مثل التغييرات. والإشكال المطروح اليوم هو: هل سيؤدي تغيير القوانين الانتخابية إلى حل المشكلات القائمة؟ في الوقت الحالي هناك هيمنة لثلاثة أحزاب فقدت شرعيتها في الانتخابات، وهي تشكل أغلبية تحدد القوانين والمشاريع، وقد أدت هذه الهيمنة إلى حرمان البرلمان من آلية دستورية للرقابة وكرست فقدان الثقة في الانتخابات.