بلاغ الديوان الملكي: حين تضبط الدولة بحكمة الإيقاع السياسي والاجتماعي

تيل كيل عربي

المهدي الزوات، محام وفاعل سياسي

لا يمكن قراءة بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اختتام الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم باعتباره مجرد خطاب تهنئة او احتفاء بنجاح تنظيمي ورياضي. فالبلاغ، في جوهره، يعكس حكمة في تدبير اللحظة، ويؤسس لموقف متزن يقطع مع ممارسات وانفعالات قد لا تخدم المصلحة الوطنية على المدى المتوسط والبعيد.

لقد جاء الخطاب الملكي في سياق حساس، تداخل فيه الفرح الشعبي الكبير بنجاح التنظيم والإنجاز الرياضي، مع أحداث مؤسفة شهدتها الدقائق الاخيرة من المباراة النهائية. وهنا تتجلى الرزانة في الجمع بين الاعتزاز المشروع بالنجاح، ورفض تحويل هذا الاعتزاز إلى انفعال او تعصب او قطيعة مع المحيط الإفريقي.

البلاغ اختار لغة متوازنة: شكر شامل لمكونات الامة، تنويه بالدعم الشعبي وبالمنتخب الوطني، وتأكيد على ان هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سياسة ارادية واستثمار طويل في البنيات التحتية والموارد البشرية، إضافة إلى خيار وطني واع بإشراك مغاربة العالم في مشروع كروي جامع. هذا التأطير العقلاني للنجاح يقطع مع منطق الاستهلاك العاطفي للإنجاز، ويضعه في سياقه الاستراتيجي الصحيح.

في المقابل، لم يتجاهل البلاغ ما شاب نهاية البطولة من تصرفات غير مقبولة، لكنه تعامل معها بمنطق الاحتواء بعيدا عن التصعيد. فالإقرار بوقوع أحداث مشينة جاء صريحا، دون أي إنكار، غير انه ربط بطبيعة اللحظة والانفعال الذي يواكبها عادة، مع التأكيد على ان روابط الاخوة الإفريقية ستنتصر في النهاية. وهي مقاربة تعاكس نزعات شائعة تستثمر مثل هذه الوقائع لتغذية خطاب عدائي دائم.

الأهم في هذا الخطاب انه يضع فاصلا واضحا بين العاطفة الشعبية وبين مواقف الدولة. فالدولة المغربية، كما يعكس البلاغ، لا تحدد علاقاتها ولا خياراتها الاستراتيجية تحت ضغط اللحظة او موجات مواقع التواصل، بل وفق رؤية ثابتة وخطوات رزينة. فمثلا في حالتنا هاته، استطاع البلاغ أن يعيد الأمور لنصابها بالتأكيد على أن إفريقيا فضاء شراكة وتعاون، لا ساحة صراع او تصفية حسابات رمزية. وكأن البلاغ تصدى لمحاولة اختزال سنوات من الجهود الديبلوماسية في مباراة لكرة القدم.

كما يحمل البلاغ رسالة ضمنية في مواجهة حملات التشهير ومحاولات النيل من المصداقية: الدولة القوية لا تنجر إلى السجال، ولا تحتاج إلى خطاب شعبوي للدفاع عن مصالحها. الثقة في وعي الشعب، وفي عمق الروابط التاريخية بين شعوب القارة، تشكل خط الدفاع الحقيقي ضد خطاب الكراهية والتفرقة الذي تسعى بعض الجهات إلى زرعه.

بهذا المعنى، يتحول البلاغ إلى درس في تدبير الانتصار بقدر ما هو احتفاء به. فهو يكرس فكرة ان النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالنتائج الرياضية، بل بالقدرة على حماية الصورة، وصيانة العلاقات، وتحويل اللحظات الحساسة إلى فرص لتأكيد النضج السياسي والمؤسساتي.

إنه خطاب يقطع بوضوح مع ممارسات لا تخدمنا: الانفعال، الشعبوية، والتصعيد غير المحسوب. ويؤكد، مرة اخرى، ان رهان الدولة المغربية هو الاستثمار في المستقبل وليس الاكتفاء بالاحتفال بلحظة عابرة مهما كانت مشرفة.