استعاد الوزير السابق مصطفى الخلفي، والقيادي في حزب العدالة والتنمية، في كلمة له خلال ندوة "خيمة الإبداع" المخصصة لتكريم الراحل محمد بنعيسى، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي في دورتها 46، ما وصفه بـ"البصمة الاستثنائية" للفقيد في تاريخ المغرب، مبرزا أن جزءا من النخبة، التي كان يجسدها بنعيسى، ساهم في تكريس تجربة مغربية متفردة استطاعت أن تتجاوز منطق تصفية الحسابات الإيديولوجية.
واستهل الخلفي مداخلته، السبت المنصرم، بالتنويه بخصال الراحل، مبرزا أنه "كان له أثر استثنائي في مسار البلد"، قبل أن يستحضر واقعتين محوريتين من مسيرته، إحداهما حديثة تعود إلى سنة 2024، وأخرى ترجع إلى ثمانينيات القرن الماضي، ليبرهن من خلالهما على النهج الفكري والسياسي الذي تبناه بنعيسى طيلة مساره.
ففي الواقعة الأولى، أشار الخلفي إلى آخر لقاء جمعه بالفقيد في أكتوبر 2024، خلال فعاليات منتدى أصيلة، حيث اختار بنعيسى – "خلافا للسياق العام" – تخصيص ثلاث ندوات لمناقشة قضايا الإصلاح الديني والحركات الإسلامية.
وأوضح أن المنتدى استضاف شخصيات معروفة بمواقفها "الاستئصالية"، غير أن بنعيسى أصر على دعوة ثلاثة باحثين مغاربة، كان مصطفى الخلفي أحدهم، لتقديم رؤية مغايرة تؤكد أن "الخيار المغربي هو الذي أثبت نجاعته".
وأضاف الخلفي أن الراحل أراد من خلال ذلك أن يبرز خصوصية النموذج المغربي القائم على الاستثناء والانفتاح، معتبرا أنه "قد يشكل العلاج الممكن للمنطقة".
وانتقل الخلفي إلى واقعة ثانية وصفها بالمفصلية، تعود إلى يناير 1982، حين استقبل بنعيسى، بصفته رئيس تحرير جريدة الميثاق الوطني، عبد الإله بن كيران بعد خروجه من السجن، وقد سلم بن كيران آنذاك بيانا يعلن فيه انفصال مجموعة من الشباب الذين أسسوا لاحقا حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية.
ورغم حساسية الموقف، قرر بنعيسى نشر البيان وملخص له في الصفحة الأولى، ما أثار غضب وزير الداخلية آنذاك، (ادريس البصري)، لولا أن الملك الراحل الحسن الثاني تدخل مثمنا هذه المبادرة، ومعتبرا أنها كشفت عن شخصية سياسية صاعدة هي محمد بنعيسى.
وأكد الخلفي أن الواقعتين معا تجسدان اختيارات بنعيسى في الانفتاح وتحمل المسؤولية والدفاع عن الرأي المختلف.
ووصف منتدى أصيلة الثقافي بأنه كان، في لحظات معينة، بمثابة "منطقة حكم ذاتي ثقافي"، تستضيف من تشاء وتفتح المجال أمام مختلف الأسئلة والآراء.
وشدّد الخلفي على أن الراحل كان مؤمنا بإعلاء الثقافي على الحزبي والسياسي، ومستعدا لدفع الكلفة السياسية مقابل ذلك، وهو ما جعل منتدى أصيلة منبرا للتعدد والانفتاح.
وأكد على أن ما ميز التجربة المغربية لم يكن فقط خيار الدولة أو توجهات المجتمع، بل أيضا "سلوك النخبة، أو جزء منها، الذي مثله بنعيسى، إذ آمن بأن التقدم والتنمية الديمقراطية لا يفترض بالضرورة تصفية الحسابات الإيديولوجية، بل يمكن على العكس أن يكون مدخلا لتجاوزها"، معتبرا أن هذه الرؤية هي ما جنب المغرب مسارات مأزومة مازالت دول أخرى في المنطقة تؤدي ثمنها.