موسم أصيلة يواصل مسار محمد بن عيسى.. وفاء عابر للحدود لـ"رجل الدولة وأيقونة الثقافة"

محمد فرنان

افتتحت مدينة أصيلة مساء الجمعة الدورة الخريفية السادسة والأربعين لموسمها الثقافي الدولي، في أجواء طبعتها مشاعر الوفاء لمؤسس الموسم الراحل محمد بن عيسى.

الدورة، التي تنظم تحت رعاية للملك محمد السادس، خصصت ندوتها الكبرى "خيمة الإبداع" لاستحضار مسار الرجل وفكره، تحت عنوان: "محمد بن عيسى رجل الدولة وأيقونة الثقافة".

الندوة، التي أشرف على تنسيقها الكاتب والإعلامي عبد الإله التهاني، المدير السابق للاتصال والعلاقات العامة بوزارة الاتصال، احتضنتها مكتبة الأمير بندر بن سلطان.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يشارك أكثر من سبعين متدخلا من مختلف القارات، جاؤوا ليؤكدوا أن محمد بن عيسى لم يكن مجرد وزير أو سفير، بل رمزا ثقافيا و"مهندس حلم" جعل من أصيلة منارة للحوار.

تخليد الاسم ووفاء الوجدان

افتتحت الجلسة الرسمية برفع الستار عن لوحة رخامية تحمل اسم محمد بن عيسى على فضاء المسرح والفنون بالمكتبة، تلاها تلاوة رسالة التعزية الملكية، التي وصف فيها الملك محمد السادس الراحل بـ"رجل الدولة المقتدر والدبلوماسي المحنك".

May be an image of 1 person, dais and text that says 'D'

وفي كلمة صريحة، أقرّ حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، بصعوبة حمل المشعل بعده لما كان يمثله من ثقل، لكنه شدّد على أن "مدرسة محمد بن عيسى" خلفت نساء ورجالا أوفياء سيواصلون مسيرته في التنوير والانفتاح.

الجلسة الافتتاحية عرفت لحظات جمعت بين التحليل السياسي والمشاعر الإنسانية، الرئيس السنغالي السابق ماكي صال وصفه بـ"الخادم الذي لا يكل"، فيما أكد الأمير بندر بن سلطان أن علاقته بالراحل كانت علاقة أخوة ومحبة ترجمت في مبادرات ثقافية أحدثت "نقاطا نوعية" في مسار أصيلة.

من جهته، اعتبر نبيل يعقوب الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، أن فقدانه هو بمثابة "فقدان جزء من الذاكرة وقطعة من الروح".

أما وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، ففاجأ الحضور بكلمة وجدانية غير معتادة منه، وصف فيها الراحل بـ"المسيحي في السياسة"، في دلالة على أنه رمزا للتسامح والصفح، مؤكدا أن أصيلة باتت "يتيمة" بعده، مسترجعا نقاشاته معه حول عدم وقوف القطار السريع المتجه إلى طنجة في أصيلة، قبل أن يختم بالدعوة لأن تنجب المدينة "مسيحا آخر".

May be an image of 1 person and dais

ومن أوروبا، وصفت وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أنا بلاسيو الراحل بأنه يجسد "أفضل تقاليد الدبلوماسية"، شخصية حساسة وملهمة، مؤمنة بأن الثقافة والسياسة جسور لا تنفصل.

بينما شدّد لويس أمادو، وزير الخارجية البرتغالي السابق، على قدرته على استشراف ديناميات التغيير في النظام الدولي.

وتعهد رئيس بلدية أصيلة، الدكتور طارق غيلان، الذي أشار إلى قربه من الراحل، بصفته طبيبا، بأن أبناء المدينة سيظلون أوفياء لبصمة الرجل، "مهما كانت الأمواج عاتية أو تسارعت القطارات".

البصمة الإدارية والإنسانية

لم يقتصر الإشادة بمحمد بن عيسى على أدواره الدبلوماسية والسياسية، بل امتدت لتشمل بصمته الإدارية والإنسانية، الأمين العام للحكومة، محمد حجوي وصفه بـ"شخصية فذة متعددة الانشغالات"، استطاع أن يوفق بين مهام سياسية رفيعة وإدارة ناجحة لشؤون مدينة أصيلة.

May be an image of 1 person

وفي شهادة إنسانية، أكد جمال سند السويدي، نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أن نبل الرجل سيظل حاضرا بأعماله الخالدة.

أما مصطفى نعمان، نائب وزير الخارجية اليمني سابقا، فأشار إلى أن الراحل لم يكن يعيش "سعاداته السياسية"، بل كان كلما ارتقى ازداد تواضعا وقربا من الناس، جامعا بين السياسة والثقافة والعمل الاجتماعي والحضور الدولي.

 قراءة فكرية في الإرث والتحولات

بعد تكريم زوجة الراحل بدرع الريادة، انتقلت أشغال الندوة إلى الجلسة الموضوعاتية الأولى، التي أدارها الكاتب والأستاذ الجامعي الموريتاني عبد الله ولد باه، وخصصت لتحليل إرث محمد بن عيسى في السياق الإقليمي.

May be an image of 5 people and text

الوزير السنغالي السابق شيخ تيديان غاديو أبرز البعد الإفريقي في فكره، مؤكدا أنه كان يربط المغرب دوما بعمقه القاري، ويجعل من الثقافة أداة لبناء جسور التفاهم المشترك.

وتحدث الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بن عبد الله عن قدرة الراحل على الحفاظ على استقلالية منتدى أصيلة كفضاء حر للنقاش، رغم موقعه في قلب النخبة السياسية.

أما وزير الخارجية الليبي الأسبق عبد الرحمن شلقم، فاعتبر أصيلة تحت قيادته "ملاذا آمنا" يجمع القادة والمثقفين بعيدا عن صخب الخلافات.

وفي قراءة أكاديمية، شدّد الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة سابقا، على أن المنتدى كان مختبرا فكريا أسهم في تشكيل وعي الأجيال العربية بقضايا الديمقراطية والتنمية.

وأبرز الخبير الاستراتيجي المصري مصطفى حجازي الجلسة بالتأكيد على أن دمج الثقافة بالسياسة ضمن رؤية تنموية مستدامة كان أحد أعمدة فكر محمد بن عيسى، وهو ما مكن المنتدى من الإسهام في مواجهة التحديات الوجودية التي تعيشها المنطقة.

May be an image of 1 person, crowd and dais