تقرير رسمي: 85 بالمائة من الوفيات بالمغرب نتيجة الأمراض غير المعدية

خديجة قدوري

أزاح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الستار عن مجموعة من التحولات الديموغرافية والاجتماعية العميقة، التي يواجهها المغرب والتي تتجلى أساسا في ارتفاع أمد الحياة عند الولادة وتسارع وتيرة شيخوخة الساكنة، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، إلى جانب تغيرات البنيات الأسرية مع تراجع نسبة الأسر الممتدة وارتفاع نسبة الأسر النووية، مع ما يترتب عن ذلك من إضعاف ممارسات التكافل التقليدية، من خلال الرأي الذي أعده المجلس تحت عنوان " اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي".

وكشف المجلس أن هذه التحولات ستؤدي إلى تزايد الضغط على الآليات المؤسساتية للتضامن والحماية الاجتماعية وإلى ارتفاع الحاجيات المرتبطة بالرعاية ومساعدة الأغيار في وضعية هشاشة.

شيخوخة متسارعة في المغرب بحلول 2050

أشار المجلس إلى أنه وحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، من المتوقع أن يحتاج حوالي 2.3 مليار شخص عبر العالم إلى خدمات الرعاية بحلول عام 2030 وذلك نتيجة شيخوخة الساكنة.

وأفاد أن المعطيات الأخيرة للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تظهر أن المغرب يشهد تسارع وتيرة شيخوخة الساكنة حيث ارتفعت نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9.4 في المائة سنة 2014 إلى 13.8 في المائة سنة 2024. وتقدر هذه الفئة العمرية بحوالي 5 ملايين شخص في 2024، مقارنة بـ 3.2 ملايين شخص سنة 2014، أي بمعدل نمو سنوي متوسط يصل إلى 4.6 في المائة، وهو معدل يفوق بكثير معدل النمو العام للسكان الذي لا يتعدى 0.85 في المائة.

وأوضح أن هذا التطور يعزى أساسا إلى تواصل انخفاض معدل الخصوبة، حيث بلغ المعدل المتوسط للإنجاب سنة 2024 حوالي 1.97 طفل لكل امرأة، وهو ما يعتبر دون عتبة تعويض الأجيال المقدرة بـ21 طفل لكل امرأة، كما يُعزى إلى ارتفاع متوسط أمد الحياة، الذي بلغ 77 سنة في 2023 (78.8) سنة للنساء و 75.3 سنة للرجال، مقارنة بـ 74.8 سنة 2014 77.3) سنة في الوسط الحضري و 71.7 سنة في الوسط القروي)، و 47 سنة فقط سنة 1962 (57) سنة في المدن و 43 سنة في القرى".

وكشف أنه بحلول سنة 2050 من المرجح أن يبلغ شخص واحد من بين كل أربعة مغاربة 60 سنة أو أكثر وستتجاوز أعمار ما يقارب نصف هذه الفئة 70 سنة أو أكثر".

تحولات الأسر المغربية وتنامي العبء الديمغرافي

في هذه الصدد، أفاد المجلس أنه يسجل ارتفاع متزايد في معدل الإعالة الديمغرافية عموما، أي نسبة السكان غير النشطين (الأطفال دون سن 15، أو الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 59 سنة)، بالنظر إلى السكان في سن العمل، حيث من المتوقع أن يصل هذا المعدل إلى حوالي 70 في المائة بحلول سنة 2050، حسب المندوبية السامية للتخطيط، ما يفيد أنه سيكون هناك حوالى 70 شخصا معالا لكل 100 شخص نشيط"، ويعزى ذلك أساسا إلى تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية.

ولفت المجلس الانتباه إلى أن نسبة معدل الإعالة المرتبطة بالشيخوخة ( الأشخاص ما فوق 59 سنة، تفيد توقعات المندوبية السامية للتخطيط أنه سيعرف منحى تصاعديا ليرتفع إلى حوالي 39.4 في المائة بحلول سنة 2050 وذلك بعد أن بلغ 22.8 في المائة سنة 2024.

وأوضح المصدر ذاته أنه إذا كان انخفاض نسبة الولادات يخفف نسبيا من العبء المرتبط بالشباب، فإن تسارع وتيرة الشيخوخة يزيد بشكل ملحوظ من العبء الملقى على عاتق الأشخاص المسنين.

وأفاد المجلس أنه يفاقم من هشاشة الأشخاص المسنين غياب مصدر دخل بالنسبة ل 52.4 في المائة منهم. وتؤثر هذه الوضعية بشكل خاص على النساء والساكنة القروية التي تمثل نسبة 80.1 في المائة و 62.6 في المائة على التوالي، مقابل 26 في المائة فقط من الرجال و 46.2 في المائة من الأشخاص المسنين القاطنين في الوسط الحضري".

وأضاف المجلس أن عدد الأسر المغربية ارتفع  ليبلغ 9.275.038 أسرة سنة 2024، بينما انخفض متوسط حجم الأسر من 4.6 فرد سنة 2014 إلى 3.9 فرد سنة 2024، وهم هذا الانخفاض الوسطين الحضري والقروي على حد سواء، حيث تراجع من 4.2 إلى 3.7 فرد بالوسط الحضري ومن 5.3 إلى 4.4 فرد بالوسط القروي من جهة أخرى، ارتفعت نسبة الأسر التي تشغل مساكن تتألف من غرفة إلى غرفتين إلى 43.5 في المائة في الوسط الحضري، سنة 2024.

وأشار إلى أن تركيبة الأسر شهدت تغيرات ملحوظة، فقد تراجعت نسبة الأسر الممتدة وارتفعت نسبة الأسر النووية، وهو ما من شكال التأثير على توفر المساعدين المنزليين بالنسبة للأشخاص الفاقدين للاستقلالية وإضعاف النموذج 42 Sur والتكافل الأسري.

وكشف أن نسبة الأسر التي تترأسها نساء ارتفع من 16.2 في المائة سنة 2014 إلى 19.2 في المائة سنة 2024، ويعكس هذا الارتفاع حدوث تغيرات ملحوظة في الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء وكذا في الديناميات الأسرية، ويظهر هذا الارتفاع بشكل أوضح بالوسط الحضري، حيث تصل نسبة الأسر التي ترأسها نساء إلى 21.6 في المائة سنة 2024، مقارنة ب 14.5 بالوسط القروي".

الأمراض المزمنة تهدد منظومة الصحة المغربية

أبرز المجلس أن بلادنا تشهد تسارعاً في وتيرة التحول الوبائي، إذ أصبحت الأمراض غير المعدية مسؤولة عن 85 في المائة من الوفيات بالمغرب، حسب معطيات منظمة الصحة العالمية.

ويصاحب هذا التحول ارتفاع في معدلات الأمانة وظهور حالات تعدد الأمراض، مما يسهم في بروز العديد من الاختلالات الصحية التي تؤدي بدورها إلى إعاقات متنوعة، سواء كانت حركية أو عضوية أو حسية أو عقلية، وهي حالات تستدعي تكفلا طويل الأمد وعلاجات منتظمة، غالباً ما تقدم في المنزل.

وأفاد أنه من المرتقب أن تتعرض منظومة الصحة والحماية الاجتماعية لضغط متزايد، خاصة مع ارتفاع معدل الإصابة بالأمراض المزمنة كداء السكري وارتفاع ضغط الدم والأمراض العصبية والعصبية العضلية، ويأتي ذلك في وقت تظهر فيه بنية نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الاستشفاء العلاجات الطبية المتنقلة الأدوية) هيمنة النفقات المرتبطة بالأمراض المزمنة والمكلفة (ALD/ALC)، خاصة القصور الكلوي، والسرطانات الصلبة وارتفاع ضغط الدم الحاد ومرض السكري".

وأوضح المصدر ذاته أن الأشخاص المسنين يمثلون 8.5 في المائة من المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و 36.7 في المائة من النفقات، في حين يمثلون 18.1 في المائة من منخرطي الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي و 45.2 في المائة من النفقات.

ولفت الانتباه إلى أن الرعاية المؤسساتية التي يمكن تقديمها داخل المنازل لا تزال في مراحلها الأولية، فإن المنظومة الصحية المتمركزة أساسا على منطق الاستشفاء داخل المراكز الصحية، تفتقر إلى خدمات مجتمعية حقيقية للدعم تتيح مرافقة الأشخاص فاقدي الاستقلالية داخل محيطهم الأسري.

وسجل التقرير أن خدمات الرعاية المنزلية المأجورة الملائمة للأشخاص فاقدي الاستقلالية تظل نادرة ومكلفة، مما يحد من إمكانية الولوج إليها، وعلى عكس خدمات العلاج المقدمة في المصحات والمعفاة من الضريبة على القيمة المضافة، تخضع خدمات الرعاية المقدمة في المنزل لهذه الضريبة، ما يرفع من كلفتها وأثرها على القدرة الشرائية للأسر. إن هذه الخدمات التي تتميز غالباً بالمرونة المناسبة للاستجابة للاحتياجات الخاصة للأسر، تواجهها كذلك صعوبات هيكلية تتعلق بنقص الموارد البشرية المؤهلة والتكوينات المتخصصة، مما يشكل عائقاً حقيقياً أمام تعميمها.