حوار.. السعدوني: لوبيات تقف وراء ارتفاع أسعار السردين وقرار منع التصدير خاطئ

خديجة عليموسى

مع قدوم شهر رمضان، ترتفع الأسعار بصفة عامة، وفي مقدمتها أسعار الأسماك خاصة السردين، غير أن ما شهده سوق الجملة بالدار البيضاء عشية رمضان هذه السنة كان لافتا، شاحنات قادمة من العيون وطانطان وأكادير عادت من حيث أتت دون أن تفرغ حمولتها من السردين "الرقيق"، في وقت يفترض فيه أن يبلغ الطلب ذروته.

هذا المعطى أعاد طرح أسئلة حول واقع الثروة السمكية، واختلالات مسالك التوزيع، وحدود تدخل الدولة في تنظيم السوق، إضافة إلى تأثير العوامل المناخية والراحة البيولوجية والمضاربات على الثمن النهائي الذي يؤديه المستهلك.

في هذا الحوار مع "تيلكيل عربي" يقدم عبد اللطيف السعدوني، رئيس الكونفدرالية الوطنية لتجار السمك بالجملة بالموانئ المغربية، قراءة من داخل القطاع، يشرح فيها أسباب عزوف التجار، وخلفيات استمرار ارتفاع الأسعار رغم استئناف الصيد، والفرق بين أنواع السردين وحدود مبادرات تسويق السردين المجمد، كما يتوقف عند مسألة اللوبيات والصيد الجائر وقرار تقييد التصدير.

لماذا فضلت الشاحنات القادمة من العيون وطانطان وأكادير العودة دون بيع حمولتها من السردين بسوق الجملة بالدار البيضاء عشية رمضان؟

في اليوم الذي سبق حلول شهر رمضان، سجل سوق الجملة بالدار البيضاء عزوفا لافتا من طرف التجار عن اقتناء الأسماك، إلى درجة أن عددا من الشاحنات المحملة بالسردين "الرقيق" عادت أدراجها دون أن تفرغ حمولتها، ولم يقتصر الأمر على تجار التقسيط، بل حتى معامل دقيق السمك لم تبادر إلى استيعاب هذه الكميات، ما جعل التجار يتحملون الخسارة في نهاية المطاف.

الحديث هنا ينصب أساسا على السمك السطحي، وعلى رأسه السردين الذي يتصدر قائمة الاستهلاك لدى المواطن المغربي، ويشكل تقليديا عنصرا أساسيا في سلة الأسر البسيطة.

ويعود ذلك، أولا، إلى أن حجم السردين المعروض لم يكن مناسبا للتسويق، إذ كان في معظمه صغيرا، وهو ما يقلل من الإقبال عليه. كما أن فترة الراحة البيولوجية التي دامت شهرا ونصف الشهر أثرت بدورها على دورة النشاط التجاري، حيث لم يستطع عدد من التجار الصغار الذين يمونون الأسواق الصمود دون دخل طوال مدة التوقف، فاضطروا إلى مزاولة مهن أخرى، ما جعل شبكة التوزيع لا تعمل بكامل طاقتها عند استئناف الصيد.

في الظروف العادية، وخاصة خلال رمضان، يستقبل سوق الدار البيضاء  يوميا نحو 70 شاحنة محملة بما يقارب 800 طن من السردين يتم توزيعها بسلاسة على مختلف نقط البيع.

لماذا يستمر ارتفاع أسعار السردين مع حلول شهر رمضان رغم استئناف نشاط الصيد؟

ارتفاع السعر لم يأت من فراغ، فالقطاع خرج لتوه من راحة بيولوجية دامت شهرا ونصفا، ولم تبدأ القوارب في ولوج البحر إلا ابتداء من الأحد الماضي، كما أن البحر لم يستعد توازنه بعد، إذ تكون الفترة الأولى بعد التوقف عادة غير مستقرة في صيد السمك السطحي.

ومع دخول رمضان ارتفع الطلب كثيرا مقابل عرض محدود، وعندما يختل هذا الميزان يرتفع الثمن بشكل تلقائي.

ولم يقتصر الوضع على السردين وحده، بل شمل باقي الأصناف، بعدما توقفت أغلب الموانئ عن الاشتغال بسبب اضطراب البحر، ولم تستأنف بعض الأنشطة إلا مع بداية الأسبوع الجاري، لذلك ظل المنتوج المعروض في السوق قليلا، خاصة بالنسبة إلى "الميرلان" والسمك الأبيض المخصص للقلي، وهما من أكثر الأنواع طلبا في الاستهلاك اليومي.

إلى جانب ذلك، تغيرت بنية التجارة نفسها، إذ توسع عدد المتدخلين ودخلت الرقمنة إلى القطاع، ولم يعد المنتوج يتجه فقط إلى الأسواق التقليدية، بل أصبح يوزع أيضا على المطاعم والفنادق.

في الظرفية الحالية، النقص في السمك الأبيض والرخويات يعني أن الأسعار مرشحة للارتفاع نسبيا شأنها في ذلك شأن  السردين القادم من آسفي والجديدة والدار البيضاء يكون أعلى ثمنا لأنه يباع في الميناء بسعر مرتفع.

يوم الأربعاء بيع صندوق سمك آسفي بـ350 درهما، أي ما يعادل 15 درهما للكيلوغرام في الميناء، وبعد إضافة مصاريف الثلج والضرائب والنقل وغيرها من المصاريف، يصل الثمن إلى حوالي 17,50 أو 18 درهما قبل بلوغ السوق، والتاجر الذي يقتني أربعة أو خمسة صناديق وينقلها إلى منطقة بعيدة داخل الدار البيضاء قد يبيع الكيلوغرام بـ25 درهما، بالنسبة إليه، الأمر مرتبط بالكلفة وتغطية المصاريف، لكن بالنسبة إلى المواطن البسيط يظل الفرق كبيرا.

ورغم أن المواطن يردد شعار "لدينا 3500 كيلومتر من السواحل"، فإن البحر ليس مستقرا طوال السنة، هناك تقلبات مناخية وعوامل مرتبطة ببرودة المياه خلال السنتين الأخيرتين، حيث يعيش المغرب تأثير ظاهرة "النينيو"، وأصبحت المياه أبرد من المعتاد، ما يؤثر مباشرة على حركة الأسماك وجودتها وتوزيعها، خصوصا في الجنوب المغربي الذي يوفر حوالي 80 في المائة من المنتوجات السطحية، لذلك نجد اليوم في السوق سردينا "رقيقا" بثمن أقل مقارنة بالسردين الجيد.

كيف يمكن للمستهلك أن يميز بين السردين الجيد وغيره؟

لكل ميناء خصوصيته في المنتوج، وهناك ما يسمى "طابع الجودة" المعتمد دوليا، والذي يتطابق مع سردين آسفي والصويرة وسيدي إفني وبعض المدن ذات المناطق الصخرية، هذا السردين معروف بقيمته الغذائية ومذاقه، كما أن سردين الجديدة والدار البيضاء والشمال، مثل الحسيمة، يتميز بطعم لذيذ، خاصة بسبب طبيعة مياه البحر الأبيض المتوسط.

في المقابل، فإن السردين القادم من جنوب سيدي إفني، مثل طانطان وطرفاية والعيون، تكون جودته أقل نسبيا، بسبب طبيعة المياه البحرية، ولأنه يصاد في مناطق رملية لا صخرية، ما يؤثر على جودته.

 كما أن الكميات تلعب دورا مهما، فالقارب الذي يجلب 50 أو 60 طنا لا يوفر الشروط نفسها من حيث المحافظة على الجودة مثل القارب الذي يجلب 5 أطنان فقط، لأن الكمية الكبيرة تؤثر على ظروف النقل والحفظ.

وبالنسبة إلى التمييز العملي، فهناك نوعان أساسيان: النوع الجيد يتراوح بين 16 و24 سمكة في الكيلوغرام، وهو مؤشر على حجم مناسب وجودة مقبولة، أما النوع الثاني فقد يصل إلى 40 سمكة في الكيلوغرام، ويعد متوسطا أو ضعيفا، والسردين بطبيعته غير مقاوم، خاصة الرقيق منه، فإذا تجاوز عدد الوحدات 26 أو حتى 40 حبة في الكيلوغرام، فإنه لا يتحمل البقاء إلى اليوم الموالي، ويرمى إذا لم يبع في يومه.

هل تشكل مبادرة "الحوت بثمن معقول"، التي يعرض فيها السردين المجمد بـ13 درهما للكيلوغرام، حلا فعليا لإشكالية الأسعار ؟

لفهم هذا النقاش، لا بد أولا من التمييز بين درجات الجودة المعروضة في السوق، فالسمك ليس نوعا واحدا، بل درجات متعددة، خذ مثلا "الصول"، الذي قد يتفرع إلى 10 أو 15 أو حتى 20 نوعا، وغالبا ما يعرض على المواطن المغربي ما يصنف ضمن الدرجة الثالثة من الجودة، وهي جودة كانت توجه سابقا إلى بعض الأسواق الإفريقية بثمن أقل مما تباع به اليوم داخل السوق الوطني.

أما بخصوص السردين المجمد، فقد سبق أن جرب أحد المهنيين بأكادير تسويق كيلوغرامات معبأة في أكياس، وقد تكون التجربة ناجحة من حيث منطق العرض التجاري، غير أن السؤال الجوهري  المطروح هو: هل لدى المستهلك المغربي ثقافة استهلاك السردين المجمد؟ وهل يقبل استعماله للشواء أو لإعداد الكفتة كما يفعل مع الطازج؟

السردين بطبيعته سمك غير مقاوم، خاصة "الرقيق" منه. فعندما يجمد ثم يفك تجميده، يفقد تماسكه بسرعة، ولا يتحمل البقاء لساعتين أو ثلاث بعد إذابته، بخلاف السردين الطازج الذي يستهلك في يومه، وإذا ظل مجمدا لأشهر، قد تصل إلى عشرة أشهر، فإنه عند إذابته يتفتت، ولا يمكن مقارنته بسردين يباع ويستهلك في يومه سواء أكان قادما من الدار البيضاء أو من العيون.

هل يمكن القول بوجود مضاربات في مجال السمك؟ ولماذا يصل السردين إلى المستهلك بثمن مرتفع  مقارنة مع ثمن الميناء؟

على مستوى البيع بالجملة، المسار واضح لأن البيع يتم داخل الموانئ، وأصبح اليوم رقميا عبر منصة تربط مراكز الفرز بالموانئ التي يسيرها المكتب الوطني للصيد البحري بالإدارة المركزية بشكل مباشر، كما تخضع العملية لمراقبة مجلس المنافسة، ويعلن المكتب الوطني للصيد البحري يوميا عن الأثمان التي خرج بها المنتوج من الموانئ.

إذن، أين يكمن الخلل؟ الإشكال لا يظهر أساسا في مرحلة الجملة، بل يتجلى في مرحلة التقسيط، ففي هذه الحلقة تغيب المراقبة اللحظية والفورية.

 لا توجد لجان مراقبة محلية مفعلة بشكل دائم تضم وزارة الداخلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية "أونسا" والمكتب الوطني للصيد البحري والجماعات، ترصد الأسعار آنيا في كل نقطة بيع.

كما أن الأمر يزداد تعقيدا في رمضان، حيث يدخل عدد كبير من الأشخاص إلى المهنة بشكل موسمي، فيتحول من لم يبع السمك طيلة السنة إلى بائع مؤقت، ما يوسع هامش التفاوت في الأسعار،  لذلك قد يباع السردين في حي العكاري بالرباط بـ15 درهما، بينما يصل في حي الرياض إلى 25 درهما، في ظل غياب مراقبة آنية تحد من هذا التفاوت.

هناك مفارقة أخرى تتمثل في أن ثمن السردين قد يكون منخفضا في مدينة داخلية، ومرتفعا في مدينة قريبة من البحر، ما تفسير ذلك؟

المسألة لا ترتبط فقط بقرب الجغرافيا من الساحل، بل بتموقع أسواق الجملة وشبكات التوزيع وعدد الشاحنات التي تمون السوق يوميا. فمثلا، رغم قرب الرباط وسلا من البحر، فإن تجار المدينتين يتزودون غالبا من الدار البيضاء أو المهدية، بعدما لم يحقق سوق تمارة النتائج المرجوة.

 في المقابل، مدينة مثل مراكش، رغم بعدها عن الساحل، تستقبل يوميا ما بين 40 و60 شاحنة، ما يضمن تموينا منتظما، وقد تجد سعر السمك فيها أقل من آسفي.

هناك عنصر آخر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن الأسعار، وهو مسألة اللوبيات داخل بعض المدن، كل مدينة تقريبا لها شبكة توزيع خاصة بها، ولوبي يشتغل بطريقته في التقسيط والتحكم في مسالك التوزيع.

إلى جانب هذه العوامل، تطفو ظواهر موازية مثل ما يسمى "الصيد الجائر"،  أي السمك الذي لا يسلك المسار القانوني الكامل أو يصطاد بطرق غير سليمة، خصوصا في الأقاليم الجنوبية،  فالسردين يفترض أن يصاد بشبكة عائمة دائرية، لكن بعض السفن تستعمل أسلوب الجر، وهو ممنوع دوليا لأنه يجرف كل ما في العمق،  ونسمي السفن المستخدمة بـ"المدمرات"، مما يؤثر على جودة المنتوج وعلى استدامة الثروة السمكية، وقد يؤدي إلى دخول كميات بجودة أقل إلى السوق.

تم منع تصدير السردين مؤقتا وإخضاعه  لنظام الترخيص لمدة سنة ابتداء من فاتح فبراير، ما رأيكم في هذا الإجراء؟

هذا القرار في نظري خاطئ، ففي المنطقة الممتدة بين العيون وبوجدور وصولا إلى الداخلة، توجد أكثر من 46 وحدة لتجميد السردين موجهة أساسا للتصدير إلى الخارج، هذه الوحدات لم تأت من فراغ، بل أنشئت لأن هذه المنطقة تشكل خزانا أساسيا للمنتوج السطحي على الصعيد الوطني.

في سنوات سابقة، كانت مدينة العيون وحدها قادرة على إدخال ما يقارب 2000 طن يوميا إلى السوق، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تراجعا واضحا، إذ لم تعد الكميات الداخلة تصل حتى إلى 400 طن في اليوم، هذا المعطى وحده يكشف أننا أمام تراجع كبير في الثروة السمكية.

وفي الفترة التي كان يقال فيها إن السردين متوفر بكثرة، كانت الموانئ الممتدة بين العيون وطانطان وآسفي وأكادير وبوجدور والداخلة تدخل مجتمعة ما يصل إلى 8000 طن يوميا، وكان الإنتاج الوطني يقارب مليونا و200 ألف طن، بل كان يمكن أن يصل إلى مليون و600 ألف طن إذا صرحنا بكل الكميات واحتسبنا ما يرتبط بالسمك المهرب.

توجد سفن استنزفت الأخضر واليابس،  بينما نشاط التجميد والتصدير يقوم على منظومة متكاملة يشتغل ضمنها الفاعلون بوضوح  يملكون منشآت ثابتة واستثمارات كبيرة، يتم جلب المنتوج، وتجميده داخل هذه الوحدات، ثم تصديره إلى الخارج،  هنا يجب أن نكون واقعيين فالدولة لا تستطيع أن تأتي في لحظة وتقول لهم توقفوا عن التصدير، لأن ذلك  بمثابة حكم بالإعدام على استثمارات قائمة وعلى شبكة واسعة من مناصب الشغل.

هم يصدرون الجزء الأكبر من الإنتاج، وهذه حقيقة، لكن في المقابل، خرجت الحكومة أو الوزارة أو كاتبة الدولة لتقول إن هذا المنتوج يجب أن يبقى لصالح المستهلك المغربي. هنا وقع نوع من التبسيط، لأننا في الواقع لا نتوفر اليوم على كميات مجمدة كبيرة كما يتصور البعض، ولا توجد وفرة حقيقية يمكن تحويل مسارها بسهولة إلى السوق الداخلية.

ثم إن المنتوج المجمد المتوفر يتجه في معظمه إلى البرازيل وإلى مصر، كما أن هناك منافسة غير شرعية كذلك، حيث يعاد استعمال بعض المنتوج الموجه للتصدير أو للتصبير، ويتم تعليبه وطرحه في السوق بطريقة تخلق منافسة حتى للمصانع المغربية المتخصصة في التصبير، هذا هو السبب العميق للاختلال، وليس مجرد مسألة ظرفية مرتبطة بالأسعار.

أما القول إن منع التصدير أو رفع شعارات تموين السوق كاف لحل المشكل فهو غير صائب، إذا أردنا فعلا حماية المستهلك، فعلينا العمل على مدى أربع أو خمس سنوات، ووضع استراتيجية عميقة وبنيوية تعالج أصل الإشكال.