يشهد قطاع المحروقات توترا متزايدا ينذر بتصعيد جديد، بحيث وجهت مطالب إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بشأن مدى قانونية البيع خارج محطات الخدمة، بالإضافة إلى رسائل أخرى تتضمن تظلمات بعض المحطات من تعسف الشركات، وذلك في إطار دور الوساطة الذي يجب أن تلعبه الوزارة لضمان التوازن في القطاع، وهي الرسائل التي تم تجاهلها أيضا.
وقد عقدت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، اجتماعا مع أرباب محطات الوقود لبحث الإشكالات المطروحة والمطالب المشروعة، يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025.
في هذا الصدد، أجرى موقع "تيلكيل عربي" حوارا مع الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول.
ما الأسباب وراء استمرار السوق الموازية للمحروقات وانتشار الممارسات غير القانونية في القطاع رغم وجود التشريعات المنظمة؟
تسمى السوق السوداء أو السوق الخارجة عن القانون، الأصل في هذا الأمر أنه في السابق كنا نعتمد على ركيزتين أساسيتين لتأمين وارداتنا، حيث كانت بلادنا تعتمد بالدرجة الأولى على تكرير البترول محليا، فيما كانت تسد الخصاص باللجوء إلى استيراد المواد الصافية، وفي هذا الصدد كانت الدولة تتعرض بشكل أو بآخر لنوع من أنواع الابتزاز من قبل المالك السابق لشركة "سامير"، الذي كان يفرض شروطه على السوق وعلى الدولة، وكذلك من خلال مجموعة من الديون المتضمنة للمال العام من أجل الاستمرار في مهمة تزويد السوق المغربية.
وبعد ما وقع في شركة "سامير" ومواجهتها بالتصفية القضائية أصبح المغرب يعتمد فقط في تأمين حاجياته على الواردات الصافية. نحن إذن انتقلنا من الابتزاز الذي كانت تمارسه الشركة بشكل أو بآخر عبر ملاكها السابقين، إلى ابتزاز فظيع يمارسه اليوم الموزعون والمسيطرون على السوق المغربية، حيث يفرضون شروطهم ولا يأبهون بما ينص عليه القانون.
هناك تغاض عن مجموعة من الممارسات من بينها السوق السوداء، التي تباع فيها المحروقات خارج المسارات النظامية، لأن القانون ينص على أن كل "ماركة شركة" تستورد من الخارج وتقوم بنقل منتوجها حتى محطة التوزيع.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك نوعين من محطات التوزيع، المحطات المملوكة للشركة الأم أو الموزعة، وهناك ما يسمى بالمحطة الحرة المملوكة للغير، والتي تكون عندها عقدة التمويل أو التزويد مع الشركة الأم بشروط معينة.
إذن، أي عملية بيع خارج محطات التوزيع الرسمية أو القانونية فهي بيع غير قانوني يعرض صاحبه للمخالفات والمصادرات، وهو الشيء الذي لم يسبق لنا أن رأيناه، لأن الدولة اليوم عاجزة عن التصدي لهذه الظاهرة لأنها تنطوي على خطر تهديد تأمين التزويد المنتظم.
هناك اعتبار ثان، وهو أنه بعد تحرير الأسعار، تضاعفت الأرباح في قطاع المحروقات بأكثر من ثلاث مرات، بمعنى أنه إذا تحدثنا فقط عن الغازوال فقد ارتفعت أرباحه من 700 درهم للطن إلى أكثر من 2500 درهم للطن، هذا بالإضافة إلى بعض الفرص بالنسبة للنفط الروسي الذي تتجاوز أرباحه ما ذكرناه.
بالتالي فالشركات المستوردة أصبح لها هامش أرباح كبير جدا ومن الممكن أنها تتقاسمها مع السوق السوداء أو البائعين خارج المسارات النظامية الذين تمنحه تخفيضات مهمة، لكن الأمر الصعب هو أن تلك التخفيضات أو الهوامش التي تتقاسمها شركات التوزيع تعطي فوائد أكثر من شركات المحطات الحرة، لأن هذه الأخيرة التابعة لشبكة الشركة الأم محكومة بعقدة التزويد، يمنع عليها التزود من جهة أخرى، حيث تفرض عليها وتقدم لها الهامش الربحي.
وهذا هو السبب وراء غضب "المحطاتيين"، وخصوصا المحطات الحرة غير المملوكة للشركة الأم، بل أكثر من ذلك هناك شركات أصبحت تستعين بالمحطات الحرة، وتستورد منها المنتوج، وهذا مخالف للقانون لأنها تحصل على إيرادات وهوامش ربح مهمة.
الوزارة أو الدولة رفعت اليوم "الراية البيضاء"، وتتفي بالمشاهدة لأنها لا تستطيع التدخل، لأنها إذا تدخلت يمكن أن يكون رد فعل داخل السوق وانعكاس على تزويدها، لذلك فإن أحسن سبيل لتقنين القطاع هو رفع كل القيود وكل القواعد القانونية.
ما التدابير المخططة لضمان احترام القانون وضمان سلامة المستودعات والمحطات؟
القانون يمنع تخزين أو نقل أو توزيع المحروقات بأي صنف من أصنافها إلا في إطار المسارات القانونية والنظامية المعروفة، وما هو خارج هذا الإطار يعتبر مخالفا للقانون ويوجب المساءلة.
كنا دائما نقول إنه يجب العودة إلى التكرير المحلي، من أجل ضبط التنافس بين المنتوج المحلي والواردات وكذلك سنحد من الابتزاز الموجود في السوق.
كيف سيتم تنفيذ برنامج "وسم المواد البترولية" بشكل فعال في ظل تنسيق واضح مع المهنيين والجهات المهنية؟
يقصد بالوسم أن أي شركة تستورد من الخارج قبل أن تخرج شاحنتها من المخزن من أجل أن توزع وتقوم بالتفريغ في محطات التوزيع، يضاف محلول كيميائي له خاصية ورقم متعلق بشركة معينة للتوزيع.
بمعنى أنه في أي محطة إذا أخذنا العينة سنجد فيها ذلك المحلول الذي هو عبارة عن وسم متعلق بشركة معينة، أي أن هذا شكل من أشكال الحد من قضية محطات التوزيع التي تأخذ منتوجا خارج "ماركاتها". ولكن أعتقد أن هذا إجراء سيدفع في اتجاه خنق الموزعين الصغار الذين لا يتوفرون على قدرة الاستيراد من الخارج، سيجبرون على الشراء من الموزعين الكبار.
هذا سيؤدي إلى القضاء على الصغار والتركيز على الكبار المتحكمين في السوق، وبالتالي يجب أن تكون مراقبة الجودة قبل الدخول إلى الأراضي المغربية، بمعنى أنه لا يسمح لأي كان أن يفرغ حمولة مستوردة من الخارج إلا بعد أن يتم إجراء التحاليل من قبل المختبرات الوطنية التي تؤكد أن المنتوج المستورد يستجيب للحاجيات الوطنية وإلا لن يسمح له بالتفريغ في الأراضي المغربية.
المسألة الثانية تتجلى في تقوية فرق المراقبة في كل مسارات توزيع المحروقات سواء في المحطات أو المخازن، ونشدد العقوبات والزجر على كل المخالفات التي تضرب الجودة والسلامة وتهديد التخزين.
مسألة ثالثة يجب أن نعيد فيها النظر، المحطات الحرة يجب أن يوجد لها مخرج، وأعتقد أنه يجب أن تكون محطات حرة بدون "ماركة" تابعة لأي شركة معينة، ويكون من حقها أن تأخذ المنتوج من أي "ماركة" في المغرب التي توفر لها شروطا تفضيلية وتتحمل مسؤوليتها كمحطة حرة، عما تقتنيه من شركة معينة والمسؤولية الكبيرة تقع عليها.
هذا من شأنه أن يدفع في اتجاه أن كل المحطات الحرة المملوكة للغير، تدفع في شكل من التنافس وتقوم بخفض الثمن بالنسبة للمستهلك المباشر والمستهلك الصغير الذي لا يتوفر على الظروف والشروط أن يجتمع في إطار تجمعات وتعاونيات والتفاوض مع الشركات الموزعة الكبرى ويحصل على خصومات.
وكخلاصة إن تحرير الأسعار أدى إلى ارتفاع هوامش ربح الفاعلين الكبار الذين يستوردون من الخارج، هذه الهوامش دفعت بهم إلى الترويج لمنتوجهم عبر مسارات السوق السوداء، التي هي في الحقيقة تهدد الجميع وتهدد السلامة والاقتصاد الوطني.