سلّط الخبير الجيولوجي الإسباني خافيير غونثاليث، أحد أبرز المختصين في جيولوجيا الأعماق البحرية بمعهد الجيولوجيا والمعدن الإسباني (IGME)، الضوء على الأهمية الاستراتيجية لجبل تروبيك البحري، الذي يقع جنوب غرب جزر الكناري ويُعد من أغنى التكوينات البحرية بالمعادن النادرة في العالم. وأعاد غونثاليث عبر تصريحاته فتح النقاش حول مستقبل هذه المنطقة البحرية التي تقف في قلب مصالح المغرب وإسبانيا، وسط سباق عالمي محموم نحو المعادن الحيوية للطاقة والتكنولوجيا.
"تروبيك يحتوي على ثروات معدنية بتركيزات لا مثيل لها"
غونثاليث، الذي شارك في أكثر من أربع بعثات علمية لاستكشاف الجبل البحري، شرح أن "تروبيك وأخواته" ضمن ما يسمى "جدّات الكناري"، وهي جبال بركانية تعود إلى أكثر من 100 مليون سنة. ويضيف أن هذه الجبال "تحتوي على تركيزات هائلة من التيلوريوم، الكوبالت، النيكل، النحاس، والمنغنيز، بكميات تفوق المعدلات العالمية بألف ضعف في بعض الحالات".
وحسب تقديرات الخبير، يضم تروبيك وحده أكثر من 2.670 طنّا من التيلوريوم، وهي كمية تكفي لصناعة 277 مليون سيارة كهربائية. ويشير إلى أن هذه الثروة تتراكم منذ ملايين السنين، ما يجعل الموقع "أحد أهم مخازن المعادن الاستراتيجية على كوكب الأرض".
"الاهتمام العالمي بالمعادن البحرية أخذ منحنى تصاعديا"
ويلفت غونثاليث إلى أن السباق على المعادن النادرة لم يعد حبيس الصناعات أو التكنولوجيا فقط، بل أصبح مرتبطا بالأمن القومي والاقتصادات الكبرى. ويقول: "الصين تهيمن على أكثر من 90% من إنتاج المعادن النادرة… وهذا يجعل المواقع البحرية مثل تروبيك ذات قيمة جيواستراتيجية قصوى".
ويؤكد أن الاهتمام الدولي بمنطقة تروبيك تضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأن الدول الكبرى تترقب أي خطوة من المغرب أو إسبانيا بشأن مستقبل هذه المنطقة.
تروبيك بين علم الجيولوجيا وصراع الجغرافيا
الخبير الذي راقب تطور الجدل السياسي حول تروبيك يرى أن الملف يتجاوز نطاق العلم. ويقول: "من الطبيعي أن يتجدد التوتر بين المغرب وإسبانيا كلما برز الحديث عن تروبيك. المنطقة تقع في نقطة حساسة، خارج حدود 200 ميل المعترف بها دوليا، وقريبة من جزر الكناري، لكنها أيضا ضمن منطقة تاريخية للنزاعات البحرية".
ويشير إلى أن الخلاف بين الرباط ومدريد في الأمم المتحدة حول توسيع المنصة القارية يعقّد الحسم، خصوصا بعد تقديم كلا البلدين ملفات متداخلة.
"قبل التفكير في استخراج المعادن… يجب أن نعرف ماذا يوجد تحت البحر"
رغم القيمة الاقتصادية الهائلة، يدعو الخبير إلى التريث، مشددا على أن العلم هو الخطوة الأولى قبل السياسة أو الاقتصاد: "لا يمكن اتخاذ قرار استغلال موارد بمليارات الدولارات دون معرفة تأثيرات ذلك على البيئة البحرية. نحتاج أبحاثا أعمق، وتكنولوجيا متطورة، وقوانين حديثة".
ويذكر أن إسبانيا تعمل بقانون تعدين يعود لعام 1973، "ولا يصلح إطلاقا للتعدين البحري الحديث"، على حد تعبيره.
"تروبيك يمكن أن يتحول إلى مختبر دولي"
يقترح غونثاليث رؤية مستقبلية بديلة قد تخفف التوتر بين المغرب وإسبانيا: "بدل التنافس على ملكية تروبيك، يمكن تحويله إلى مختبر دولي لتطوير تكنولوجيا التعدين المستدام في الأعماق".
ويضيف أن إسبانيا والمغرب يمكنهما الاستفادة من هذا التوجه عبر استقطاب التمويل الدولي، تماماً كما حدث مع مرصد النجوم في جزر الكناري.