زيورخ/سويسرا - أحمد مدياني
"رُب صدفة خير من ألف ميعاد"... نحن في سويسرا لتغطية أشغال حدث أممي سياسي دبلوماسي في جنيف، تكسره صُدفة برمجة رحلة نحو زيوريخ، حيث كان الميعاد دون تخطيط مسبق، مع سفرٍ عبر الزمن، نحو أحداث وذكريات عمرها قرن ونيف.
رحلة تاريخية من نوع خاص جدا، تهم الملايين حول العالم. يتمنى كل عشاق الساحرة المستديرة لو تسنح لهم نصف فرصة، وألف صُدفة، لعيش تفاصيلها.
هنا، بوسط زيورخ، تحديدا حي "Enge" العريق، ينتصب مُتحف الاتحاد الدولي لكرة القدم. عندما وقفت مجلة "Telsport عربي" عند بابه، ظهر أن الصُدف بدورها "لا تأتي فرادى".
لماذا؟
لأن المتحف دشن، منذ بداية فبراير الماضي، احتفالياته بالذكرى الـ 10 لافتتاحه، ما حول الزيارة إلى حدث استثنائي، جهز له الاتحاد الدولي لكرة القدم كل شيء ليكون كذلك.

فكان من الطبيعي أن ترفع ذكرى التأسيس من أعداد القطع الرياضية التاريخية المعروضة. من بينها، قطع وصور تهم تاريخ مشاركات المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم.
لنبدأ الرحلة!
الوصول إلى المتحف وولوجه
اختيار موقع إنشاء متحف "FIFA" تحكمت فيه عدة عوامل، أبرزها قربه من المقر الرئيسي للاتحاد، وسهولة الوصول إليه عبر كل وسائل النقل العمومية.
يوجد المتحف بالتحديد في شارع "Seestrasse 27 - 8002 Zurich". ويمكن للراغبين في الوصول إليه، من القاطنين بعيدا عن مركز المدينة أو من خارجها، ركوب القطارات الداخلية أو الجهوية أو التي تربط بين المدن داخل سويسرا ومن خارجها (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، ثم ينزلون بمحطة "Zurich Enge" المقابلة تماما للمتحف.
افتتاحه كان يوم 28 فبراير 2016، أي بعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس الحالي للاتحاد جاني انفانتينو، مع أن صاحب فكرة إنشائه ثم إطلاق تنفيذ مشروعه، ليس سوى الرئيس السابق جوزيف سيب بلاتير سنة 2012.
ولولوج هذه المعلمة، إن كان سنك 16 سنة وما دون الـ 60 تحتاج لاقتناء تذكرة سعرها 26 فرنكا سويسريا. وبالنسبة للأطفال ما بين 7 و15 سنة تبلغ تذكرتهم 15 فرنكا سويسريا. أما الطلبة وكبار السن فحدد سعر التذكرة لهذه الفئة في 20 فرنكا سويسريا. ويبقى الولوج مجانيا للأطفال دون سن السابعة، مع توفير تذكرة خاصة تحمل صفة "بطاقة العائلة" سعرها 60 فرنكا سويسريا تمنح الولوج لأربعة أشخاص.
تستقبلك عند المدخل الرئيسي يافطة كبيرة مشعة باللونين الأزرق والأصفر تحمل الرقم عشرة. ثم موظف استقبال تجاوره بالونة زرقاء تشير بدورها لرقم صانع الألعاب، واضعا أمامه قطع شكولاته سويسرية فاخرة على شكل كرات صغيرة، تقدم للزوار بمناسبة الذكرى العشرية لافتتاح المتحف.

بنايات المتحف الأصلية شيدت ما بين سنتي 1974 و1978 بتصميم من المعماري السويسري المعروف Werner Stucheli، وكانت عبارة عن مركز تجاري يضم أيضا مكاتب إدارية، وبعد كرائه، تكلف مكتبان للهندسة المعمارية بتغيير ملامحه. أما تهيئة معارضه الداخلية، فقد أشرفت عليها شركة "Triad Berlin" المتخصصة في تصميم المتاحف، بكلفة إجمالية للمشروع بلغت أكثر من 500 مليون فرنك سويسري.
المساحة الإجمالية للمبنى تبلغ حوالي 24 ألف متر مربع، تضم مساحة العروض الدائمة التي تتراوح بين 3000 و3500 متر مربع، موزعة على أربعة طوابق.
سفر عبر الزمن الكروي.. عيش شغف حاضره
"قوس القمصان".. لوح زجاجي ضخم يتوسط قاعة العرض في الطابق الأول للمتحف، هو أول ما يستقبلك عند ولوج المتحف.
قمصان 211 اتحادا كرويا منضويا تحت لواء "فيفا"، تتغير تلقائيا كلما تغير الزي الرسمي لأي منتخب وطني. واجهة "قوس القمصان" مخصصة للمنتخبات، وخلفيته تعرض تلك الخاصة بالأندية العالمية، من بينها قميص ناد مغربي.

يعرض المتحف 1000 قطعة تاريخية، و4000 وثيقة وصورة وفيديو تلخص تاريخ كرة القدم منذ نشأتها.
هل هذا كل شيء؟
الجواب: لا!
لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم يتوفر، حسب المعطيات التي استقتها مجلة "Telsport عربي" بعين المكان، على ما يفوق 7500 قطعة تاريخية، لا تعرض كلها على طول السنة، ولأن المناسبة حدث الافتتاح، فقد تم عرض قطع كثيرة لأول مرة، أبرزها قميص أحد أساطير كرة القدم البرازيلية.
نعم، كشف الاتحاد الدولي لكرة القدم، لأول مرة، عن قميص روماريو، الذي كان يحمل الرقم 11 خلال نهائيات كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية، حين توجت بلاده باللقب على حساب منتخب إيطاليا بضربات الترجيح.

وكانت هذه النسخة الأولى في التاريخ التي ستعرف كتابة أسماء اللاعبين على قمصان المنتخبات.
ومن بين أجمل اللحظات التي يعيشها زوار المتحف، حين يجري نقلهم من الطابق الرئيسي إلى الذي تحته، حيث يعيشون تجربة تحاكي صعود اللاعبين من مستودع الملابس إلى أرضية الملعب، عند هذه الزاوية، يسمعون هتافات بكل اللغات، من بينها الدارجة المغربية التي تنطق بعابرات "وطلق كورة... عطيه كورة... وسير ... سير ..."
أما عن الحاضر الذي يقدمه المتحف لزواره، فهو كل ما تم استحداثه لتطوير اللعبة، حيث يمكن في فضاءات متنوعة، محاكاة التحكم في غرفة "الفار"، تجريب التعليق على مباراة كرة قدم من نهائيات كأس العالم، متابعة أقوى لحظاتها أمام شاشة عرض سينمائية عملاقة، خوض بعضهم تجربة اختبار مهاراته في التمرير والتسديد والحراسة داخل فضاء للألعاب مخصص للكبار والصغار... وإن كنت من محبي الألعاب الإلكترونية الخاصة بكرة القدم، ستجد ضالتك هنا، أمام أحدث إصداراتها.
الصحراء مغربية.. وداد الأمة
أمام شاشة تفاعلية تُظهر خريطة العالم، حين تحرك دائرة سوداء يعلوها إطار أصفر كتبت عليها أسماء الدول التي تنضوي اتحاداتها تحت لواء "فيفا"، بحثت مجلة "Telsport عربي" عن المغرب.
ماذا وجدت؟
أول ملاحظة، وأهمها في القصة ككل، هي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يعتمد خريطة المغرب كاملة بصحرائه دون بتر ولو شبر واحد جنوبا وشرقا.

نعم، زوار المتحف من كل بقاع العالم الذين يبلغ عددهم سنويا ما بين 250 و270 ألفا، حين يرغبون في البحث عن دولهم أمام الشاشة نفسها، وغيرها من الشاشات والخرائط، يتفرجون ويقفون أمام واحدة من تعبيرات الاعترافات الدولية بالوحدة الترابية للمملكة المغربية.
ما يهم المغرب، داخل المتحف، يشمل تاريخ مشاركاته في كأس العالم، أبرزها ذكر أول بلوغ لنهائياته عام 1970 التي استضافتها المكسيك، ثم صور وإشارات إنجاز التأهل للدور الثاني كأول بلد إفريقي خلال مونديال 1986 الذي استضافته المكسيك أيضا، وأخيرا، احتفاء كبير بملحمة كأس العالم بقطر، حين بلغ المغرب المجد بتأهله لنصف نهائي المونديال، ومن بين ما يعرض، علاقة بهذا الحدث التاريخي، جوارب عميد "أسود الأطلس" حينها، رومان سايس.

سيدات المغرب بدورهن لهن نصيبهن من الحضور داخل متحف "فيفا"، احتفاء بمشاركتهن الأولى في نهائيات كأس العالم 2023 التي أقيمت بأستراليا ونيوزيلندا وبلوغهن الدور الثاني.
إذ تزين صورة مجموعة "لبؤات الأطلس" الجزء الخاص بتأريخ هذه النسخة، بالإضافة إلى الورقة الخاصة بالمغرب التي تستعمل في سحب قرعة دوري المجموعات.

عند زاوية تحمل عشرات الملصقات التي أنتجتها مكاتب بريد مجموعة من الدول، احتفاءً بنسخ نهائيات "المونديال" على مر التاريخ، يوجد في الوسط تماما، طابع بريدي هو الأكبر بينها، يحمل صورة مجسم الكأس العالمية، بخلفية زرقاء، طبع أعلاه "المملكة المغربية" وتحته "wm 74"، أما جانبا جهة اليسار وأنتم تنظرون إليه، تظهر قيمته وهي 1 درهم، أما على الجانب الآخر فكتبت، كما تظهر حرفيا، عبارة "كأس العالم لكرة القدم مونيخ".
عنوان آخر من عناوين وجود ما يمثل المغرب، مضمونه هذه المرة قميص نادي الوداد الرياضي الذي شارك به في أول نسخة رسمية من كأس العالم للأندية التي أقيمت بالولايات المتحدة الأمريكية صيف سنة 2025.

قميص يحمل توقيع المجموعات التي لعبت النهائيات، بعد مسار طويل من الإنجازات على المستوى القاري، منحت "وداد الأمة" مكانا بين كبار أندية العالم.
وليس وحده قميص النادي الذي يبصم على حضوره هنا، بل أيضا، صور أشبه بلوحات فنية، أبطالها جماهير "بوحمرون" بقيادة فصيلها "وينرز".

أغلى قطعة داخل المتحف
يوجد الكثير مما يحكى وينقل عن زيارة "Telsport عربي" لمتحف "فيفا"، لكن هذه المساحة لن تكفي.
لذلك، اختارت المجلة لهذه الرحلة عبر التاريخ، وفي ضيافة الحاضر، الحديث عن أغلى قطعة تعرض الآن، وهي: النسخة الأصلية للكأس.
هل تعلمون أن النسخة الأصلية تسلم فقط خلال التتويج؟
نعم، ثم ما تلبث أن تعاد للاتحاد الدولي لكرة القدم، مقابل منح المنتخب المتوج نسخة مقلدة مطلية بالذهب.
منذ مونديال 1974 بألمانيا، كانت الكأس العالمية تخرج من مقر "فيفا" لتسلم للبطل ثم تعود إليه، أما الآن بعد إنشاء المتحف، فقد أصبح هو مسكنها الدائم بين نسخ البطولات.
النسخة الأصلية من تصميم النحات الإيطالي Silvio Gazzaniga، ارتفاعها 36,8 سنتيمتر، ووزنها الحالي 6,1 كيلوغرام، مصنوعة من الذهب الخالص عيار 18 قراطا، قاعدتها تحتوي على طبقتين من حجر "المالاكيت الأخضر"، فيما تبلغ قيمتها السوقية الحالية 20 مليون دولار، ويسمح بلمسها من طرف رئيس الاتحاد ورؤساء الدول واللاعبين المتوجين بلقبها فقط.
هل تعلمون أيضا أن المغرب له حظه من هذه الحكاية ككل؟
كيف؟
النسخ المقلدة التي تُسلم للمنتخبات المتوجة، منذ سنة 2002، ينحتها الحرفي المغربي المبدع أحمد آيت عبد القادر المتحدر من مدينة ورزازت والذي يعمل عند مصنع "GDE Bertoni".
ستجد المغرب في أشياء كثيرة، حتى حين كانت المجلة تتجول بين زوايا المتحف، لم تسمع الدارجة المغربية فقط عند الممر الذي يحاكي الصعود من مستودع الملابس إلى أرضية الملعب، بل صادفت زوارا كثرا، مغاربة، جاؤوا وجئن هنا لوصل تاريخ وطنهم بالحاضر.
10 مفاتيح لاكتشاف أسرار متحف "FIFA"
1 قوس القمصان الذي يضم كل اتحادات العالم
داخل المتحف يوجد تركيب بصري مشهور يسمى The Rainbow، وهو قوس ضخم يضم قمصان المنتخبات الوطنية لجميع الاتحادات الـ211 المنضوية تحت FIFA.
كل قميص يتغير تلقائيا كلما تغيّر الزي الرسمي لأي منتخب.
2 كرة كأس العالم 2014 التي زارت الفضاء
يعرض المتحف نسخة من كرة Brazuca الخاصة بمونديال 2014 FIFA World Cup.

إحدى هذه الكرات أُرسلت فعلا إلى الفضاء عام 2013 على متن منطاد في تجربة دعائية قبل البطولة.
3 لعبة Pinball لكرة القدم
من أكثر الأشياء التي تجذب الزوار لعبة ضخمة على شكل Pinball لكرة القدم.
تسمح للزائر بمحاكاة لحظات من تاريخ كأس العالم، ويستطيع اللاعب تسجيل أهداف رقميا وكأنه يشارك في البطولة.
4 أقدم القطع المعروضة تعود للقرن التاسع عشر
بعض القطع في المتحف تعود إلى بدايات كرة القدم الحديثة في القرن التاسع عشر، ومنها كرات وأحذية بدائية استخدمت في بريطانيا قبل تأسيس "فيفا" سنة 1904.
5 قاعة سينما بزاوية 180 درجة
يوجد داخل المتحف Cinema Hall بزاوية عرض 180°، حيث يمكن للزائر أن يشاهد مونتاجا لأعظم لحظات كأس العالم على شاشة بانورامية، مع نظام صوتي يجعل الجمهور يشعر وكأنه داخل الملعب.
6 من مبنى تجاري لمتحف تاريخي عالمي
المبنى الذي يحتضن المتحف اليوم كان مركزا تجاريا ومكاتب قبل تحويله.
وقد خضع لعملية إعادة تصميم كبيرة قبل افتتاح المتحف سنة 2016.
7 الكرة الذهبية و"أشياء أخرى"
إلى جانب كأس العالم الأصلي، يعرض المتحف أيضا نسخا من جوائز فردية وقطعا تعود لنجوم كبار، أبرزهم بيلي ومرادونا وزيدان.
8 تذكرة واحدة = رحلة لأزيد من 90 دقيقة عبر التاريخ والحاضر والمستقبل
حسب دراسة أجرتها إدارة المتحف، فإن متوسط وقت زيارة المعرض كاملا حوالي 90 دقيقة، لكن عشاق كرة القدم يقضون غالبا أكثر من ساعتين بسبب المحتوى التفاعلي.
9 ليس كل ما يُملك يُعرض
يمتلك المتحف آلاف القطع التاريخية، لكن جزءا صغيرا فقط معروض بشكل دائم، بينما يتم تغيير بعض القطع في المعارض المؤقتة للحفاظ عليها.
10 كن جزء من جمهور ملاعب عالمية
يمنحك المتحف، عبر وسائل تصوير ذاتي متطورة، فرصة التقاط صورة شخصية، تمنحك تجربة فريدة واستثنائية.
إذ يمكنك اختيار أحد الملاعب العالمية، من كل القارات، ثم تقف أمام الشاشة، وتأخذ صورة تضعك وسط الأجواء الحماسية للمدرجات.