شهرزاد عجرودي
عبرت الإعلام كما تعبر اقتناعاتها، دون مراوغة، أو إذنٍ من أحد.
وُلدت الإعلامية فاطمة الوكيلي عام 1955 في مكناس، المدينة التي لا تقول كل شيء دفعة واحدة، تحفظ الأسرار في تجاويفها، وتُخبئ المعنى بين نَفَس المآذن وهدير الصمت في الزوايا، مدينة تمشي الهوينى، كأنها تزن خطوها بميزان الحكمة، في حجارتها ظلّ الكلام المؤجل، وفي هوائها بقايا نَفَس مَن مرّوا ولم يُفصحوا.
هناك، في زقاق لا يحفظ إلا الهدوء، وفي بيتٍ يُشبه السكينة، لا نافذة فيه تُطلّ على الصخب، ولا ساعة تُقاطع الوقت، كبرت فاطمة في همس الأشياء، وكان الإنصات أول أدواتها، ذلك الانتباه المتوتر الذي يصطاد الهش، ويفهم المعقّد، ويحفظ اللامرئي.
درست الفلسفة ثم السوسيولوجيا في فاس، وكان قلبها اليساري يهمس بصمت، قبل أن يتحول إلى صوت على الشاشة.
لم تكن تعلم أن الإعلام سيُصبح لاحقًا مرآتها وجبهتها، وأن الكاميرا ستكون شاهدة على مسارها الشخصي والمهني من الظل إلى الضوء، ومن الحكاية إلى التاريخ.
حين دخلت إذاعة ميدي 1 سنة 1982، كان يبدو أن البلاد تتهيّب من أصوات النساء، وكان المايكروفون مجالاً محفوفًا بالتحفّظ. لكن صوت فاطمة كان نابعًا من مكان أبعد، من عمق المعرفة، وطمأنينة المُدرك، ومن قلق السائلة. وكان صوتها، رغم ليونته، لا يُجامل ولا يتزيّن للكاميرا.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى "القناة الأولى"، وكانت الشاشة أكثر صرامة، والسياق أكثر حساسية، وجاء زمن "الشاشة تتحرك"، منتصف الثمانينيات، حيث حاولت التلفزة المغربية أن تنفض عنها الغبار، وتطلّ بوجه جديد أكثر حداثة وعصرنة، أُسند المشروع إلى المهندس الفرنسي أندريه بكار، أحد الوجوه التقنية المقربة من دوائر القرار، وانخرطت طاقات شابة في مغامرة تجميل الصورة وتحديث اللغة.
وجوه جديدة، تكوينات حديثة، ورغبة في أن تكون الشاشة مرآة لعصر يتغير. لكن الحلم لم يكتمل، إذ سرعان ما امتدت إليه أيادي السلطة، فعاد الضوء إلى ثباته القديم، وعادت الشاشة بعد أن تحركت قليلًا، إلى صمتها الطويل. لكن بريق تلك اللحظة القصيرة ظل يسكن الذاكرة، كوميضٍ أضاء الطريق لجيلٍ جديد.
هنا جاء دور فاطمة لوكيلي التي ستلتحق بالقناة الثانية لتمنحها وجهاً أنيقاً، وصوتاً لا يُنسى، حيث لمعت أكثر، وأصبحت مديرة لقسم الأخبار، في وقت كانت فيه المناصب التحريرية تُمنح بتحفّظ، وتُنتزع أحيانًا بالصوت العالي. لكن فاطمة لم ترفع صوتها، بل أبرزت كفاءتها. ولم تُراكم السلطة، بل حشدت حولها احترامًا لا يُشترى.
وفي التسعينيات، صارت فاطمة لوكيلي، من الأسماء القليلة التي تُحاور السياسيين من موقع الندّ، جلست أمام قادة كبار، من بينهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي لبى دعوتها وجاء خصيصا من فلسطين إلى المغرب لحضور برنامجها الشهير "رجل الساعة" الذي كان يعرض على القناة الثانية. لقد شكل ذلك اللقاء لحظة فارقة بين ذاكرة عربية مثخنة، وصوتٍ نسائي مغربي يعرف مقامه، ومقصده.
إلى جانب الشاشة، لبت فاطمة لوكيلي نداء السينما، كتبت، ومثّلت، ووقّعت سيناريوهات لا تُراعي المقاسات التجارية، مع مخرجين كبار مثل، سعد الشرايبي، الجيلالي فرحاتي، فريدة بليزيد، وغيرها في الأسماء اللامعة والنخبوية في مجال السينما في المغرب.
كما شاركت كممثلة وكاتبة سيناريو في أفلام مثل، "نساء ونساء"،"عطش"، "الإسلام يا سلام"، "باب السماء مفتوح"، "كيد النسا"، الدار البيضاء يا الدار البيضاء"، "النية تغلب"، "السيدة الحرة"، "شاطئ الأطفال الضائعين"، "ذاكرة معتقلة"... وغيرها الكثير من الأعمال التي تقف في منتصف الطريق بين السوسيولوجيا والإبداع، بين الواقع والمتخيّل، بين جسد المرأة وصوتها الحر.
لم تكن فاطمة لوكيلي مجرد ممثلة بالمفهوم التقليدي، بل شاهدة، مُجسّدة، وحاضنة للقلق الجمالي.
ترأست لجنة دعم الإنتاج السينمائي المغربي بين سنتي 2019 و2020، وقالت بصوت واضح،"الأفكار أولاً لا الأسماء". وظلت تفصل بين الصداقة والذوق الفني، بأمانة نادرة.
في المهرجانات، كانت اسمًا لا يُخطؤه النداء. مهيبة الحضور، عميقة النظرة، تُدير الحوار بلغة متماسكة وحساسية امرأة تعرف وزن الكلمات. أما في الحياة، فقد كانت جميلة، منفتحة، ضاحكة، محبوبة، تمشي خفيفة بلا ادّعاء، امرأة شفّافة، تتأخر في الكشف، مثل المدن النادرة، والأصدقاء الحقيقيين، والضوء حين يمرّ على الماء ولا يفسده. عرفها المثقفون المغاربة والعرب وتواصلت مع كبار الأسماء بسمت العارفين، وهدوء الواثقين، في بساطتها قلق قديم، وذكاء ناعم، لم تكن تقف في الزاوية، ولا على الأطراف، بل في مكانها تمامًا، حيث تلتقي الرهافة بالقوة، ويصبح الجمال هو الصيغة الأصدق للمعنى.
وفي أحد فصول حياتها، جمعتها الأقدار بالشاعر العُماني زاهر الغافري، زوجها ورفيق الكلمة والروح، تقاسما الحلم والرحلة، قبل أن تفرّق بينهما دروب الحياة. ظلّ بينهما ودٌّ لا يُمحى، ينساب بهدوء مثل ضوءٍ دافئ في الغياب.
كانت تحب الغناء، وتملك صوتا جميلا، تخبؤه للمناسبات الخاصة جدا، هذا بجانب موهبتها اليدوية، وإجادتها لحرفة الخياطة، إذ كانت تتفنن وتستمتع بصنع أشياء جميلة ورقيقة، وأحيانا يساعدها هذا الأمر على إضافة روتوشات خاصة ومميزة.
كانت نبعاً يعلّم الماء كيف يكون رقيقاً. تلمس الأشياء بطمأنينة من يعرف سرّ الكون، وتزرع في قلب ابنتها الوحيدة "يارا" التي تعيش الآن في باريس، حدائق من الحرية. تداوي بالابتسامة، وتمنح للصمت معناه النبيل.
في سنواتها الأخيرة عانت فاطمة لوكيلي من المرض كثيرا، لكنها لم تُعلن الرحيل. بقيت واقفة، بكرامة من يودّع المشهد وقد قدّم ما يكفي من المعنى. وفي 26 مارس 2024، أغمضت عينيها للمرة الأخيرة.
واليوم، يمشي الإعلام المغربي حافيًا في غيابها.
رحلت كما كانت دائمًا، تودّع المعنى وتترك الباب مواربًا للضوء. لم تأخذ شيئًا، لكنها تركت الكثير، أسئلتها، صمتها، نبلها الداخلي، وتلك الشفافية النادرة الجميلة الهادئة.
غادرت دنيانا، لكنها حية معنا، في ذاكرتنا ووجداننا، وفي الجزء المضيء من تاريخنا،
فمن يفتح كل هذه النوافذ، لا يموت.