سلط تباين المنهجيات المعتمدة من طرف مجلس المنافسة في تحليل هوامش الربح بين قطاعي المحروقات والمواد الغذائية الضوء، مجددا، على إشكالية الشفافية وعدم الاتساق في المعايير الرقابية بين مختلف الأسواق الحيوية.
هذا التباين المنهجي، وفق ما تتبعه "تيلكيل عربي"، وتبرزه التقارير الأخيرة للمجلس، لا يثير فقط نقاشا حول مدى اتساق معايير الشفافية المطلوبة في مختلف الأسواق، بل يدفع أيضا نحو تساؤلات حول الحدود المفروضة على العمق التحليلي للمجلس في بعض القطاعات الحيوية.
في سياق دراسة "وضعية المنافسة على مستوى مسالك توزيع المواد الغذائية" (رأي 25/1)، التي صدرت مؤخرا، غاص مجلس المنافسة في تفاصيل هوامش الربح بشكل غير مسبوق في المشهد الرقابي.
وحسب ما رصده "تيلكيل عربي"، تجاوز المجلس المنهجية التقليدية للنظر إلى هامش الربح كفارق إجمالي بسيط بين التكلفة وسعر البيع، ليغوص في تفكيكه إلى مكونين رئيسيين لفهم آليات تشكيل الأسعار بشكل أكثر شمولية وشفافية؛ الهوامش الأمامية، وتمثل هذه الهوامش الفارق التقليدي والمباشر الذي يحققه الموزع بين سعر شراء المنتج من المورد وسعر بيعه للمستهلك النهائي، هي الجزء الأكثر وضوحا في العملية التجارية، وتستند إلى سعر الفاتورة المباشر.
الهوامش الخلفية، هذا المفهوم يمثل جوهر التعمق التحليلي في هذا التقرير، ويعد إضافة نوعية في فهم ديناميكيات السوق التي طالما اتسمت بالغموض.
تشير الهوامش الخلفية إلى الامتيازات المالية والتجارية المتنوعة التي قد يمنحها الموردون للموزعين بعد إتمام عمليات الشراء، والتي لا تدرج بشكل مباشر ضمن سعر الشراء الأولي للمنتج.
يمكن أن تتخذ هذه الهوامش أشكالا متعددة، مثل المكافآت على حجم المبيعات المحقق، أو الخصومات التي تمنح في نهاية السنة المالية بناء على حجم التداول، أو حتى المساهمة في مصاريف التسويق والإعلان، أو الرسوم التي يدفعها الموردون للموزعين مقابل عرض منتجاتهم في أماكن مميزة داخل المتاجر الكبرى.
إن تفكيك الهوامش بهذه الطريقة، الذي أتاح للمجلس كشف طبقات خفية من الربحية التي قد لا تكون واضحة للمستهلك أو حتى للمراقبين غير المتخصصين، يبرز التزاما بتحقيق شفافية أعمق في قطاع حيوي.
هذا التحليل الدقيق ساهم في فهم كيفية تشكيل الأسعار النهائية للمواد الغذائية بشكل أكثر دقة، كما ألقى الضوء على الدور الذي تلعبه هذه الهوامش، خاصة الخلفية منها، في تحديد أسعار البيع النهائية للمستهلكين وتأثيرها المحتمل على تغذية التضخم في المواد الغذائية.
ودعم التقرير هذه التحليلات بجداول ورسوم بيانية تفصيلية تستعرض هذه الهوامش عبر فترات زمنية محددة (2021-2023) ولأنواع مختلفة من المنتجات (منتجات الألبان، العجائن الغذائية والكسكس، المصبرات النباتية) والعلامات التجارية.
وتناول التقرير سلوك بعض البقالة التقليديين "مول الحانوت" الذين يعتمدون سياسة "الهامش المختلط" للحفاظ على ربحية متوازنة، حيث يميلون إلى تطبيق سعر بيع شبه موحد لمنتجات متشابهة بغض النظر عن سعر الشراء الخاص بكل علامة، بهدف تحقيق هامش ربح إجمالي محدد عبر مزيج المنتجات.
غياب التفصيل في قطاع المحروقات: نقطة ضعف تثير تساؤلات حول صرامة التعامل مع "اللوبي القوي"
ورغم الجهد التحليلي الذي يبديه مجلس المنافسة في تتبع ديناميكيات الأسعار، خاصة في قطاع المواد الغذائية، فإن المنهجية المعتمدة في قطاع المحروقات تكشف عن نقطة ضعف واضحة في مستوى الشفافية والعمق التحليلي المطلوب.
فعدم تفكيك "هوامش الربح الإجمالية" إلى مكوناتها الداخلية (أمامية وخلفية)، كما تم في قطاع الأغذية، يحد بشكل كبير من قدرة الفاعلين الرقابيين والإعلاميين والمواطنين على فهم مصادر الربح الحقيقية داخل سلسلة توزيع المحروقات.
في هذا القطاع، تظل هوامش الربح معروضة كنسبة إجمالية (حوالي 15% للغازوال و 16% للبنزين في الربع الأخير من 2024)، دون تفصيل في آليات تشكلها الداخلي أو تحديد دقيق لمستفيدها على طول سلسلة التوزيع.
التحليل في قطاع المحروقات ركز بشكل أساسي على قياس التأثير الكلي للعوامل الخارجية الكبرى، مثل تقلبات أسعار النفط العالمية والجبايات الحكومية، على السعر النهائي وكيفية توزيع الهوامش الناتجة عن ذلك.
ورغم أن هذا التحليل قدم بيانات مهمة عن حصص مكونات السعر (تكلفة الشراء والضرائب وهامش التوزيع)، إلا أنه لم يكشف عن تفاصيل العلاقة بين الموردين والموزعين، أو آليات التسعير الداخلية التي قد تخفى وراء الأرقام الإجمالية.
ويثير هذا التفاوت المنهجي تساؤلات جدية حول مدى قدرة المجلس على التعامل بالصرامة نفسها مع جميع القطاعات، لاسيما تلك التي تسيطر عليها شركات كبرى ذات نفوذ اقتصادي وسياسي معتبر.
ففي الوقت الذي يظهر فيه المجلس جرأة في تحليل الأسواق المعقدة كالمواد الغذائية، بما يشمله من فاعلين صغار ومتوسطين، بدا أنه يتعامل بتحفظ مع قطاع المحروقات الذي يتميز بتمركز السوق وهيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى.
وهو ما قد يقرأ على أنه قصور في الصرامة المؤسسية، أو محدودية في الأدوات القانونية واللوجستيكية المتاحة للمجلس لفرض مستوى موحد من الشفافية في جميع الأسواق.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز استقلالية مجلس المنافسة، ودعمه بالأدوات القانونية والموارد التحليلية التي تسمح له بتوسيع نطاق التحليل والافتحاص في جميع الأسواق الحيوية.
يجب على المجلس أن يضمن تطبيق منهجية موحدة وعميقة في درجة الشفافية والعمق التحليلي، ضمانا للعدالة الاقتصادية وتعزيزا للثقة في مؤسسات الحكامة. فالشفافية لا يجب أن تكون خيارا، بل معيارا ثابتا يطبق على الجميع، خاصة في القطاعات التي تؤثر بشكل مباشر على جيب المواطن وعلى الاقتصاد الوطني ككل.
إن القدرة على كشف جميع مصادر الربح، بما في ذلك "الخفية" منها، في كل القطاعات، هي السبيل الوحيد لتحقيق منافسة عادلة ووضع حد لأي ممارسات قد تستغل ظروف السوق على حساب المستهلك النهائي.