كلما ارتفعت أسعار المحروقات، عاد معها سؤال قديم لم يحسم بعد: لماذا لم ينجح المغرب، إلى حدود اليوم، في توفير مخزون احتياطي يرقى إلى المستوى القانوني المحدد في 60 يوما على الأقل، رغم توالي الوعود، والإعلان عن الاستثمارات، وارتفاع القدرات التخزينية، والحديث عن مجلس للأمن الطاقي؟
الرجوع إلى كرونولوجيا المعطيات الرسمية، يكشف أن الإشكال لم يكن فقط في حجم المخزون، بل أيضا في طريقة تقديم الأرقام.
26 يوما من المخزون بين تصريحات بنعلي وتطمينات بايتاس
بعد ستة أشهر على تعيين ليلى بنعلي وزيرة للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وبالضبط يوم 13 أبريل 2022، أعلنت داخل لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب أن الوزارة شرعت في العمل على خلق "مجلس للأمن الطاقي"، مهمته التتبع الدقيق للوضعية الطاقية بالبلاد، واقتراح الإجراءات المناسبة في حال تعرض قطاع الطاقة للصدمات الخارجية، وتحديد المواد الطاقية المعنية بالمخزون الأمني، وكذا ضمان السيادة الطاقية.
وكشفت أن مادة "الغازوال" تقدر الكمية المتوفرة منها بـ437 ألف طن، وهو ما يكفي لمدة تصل إلى 26 يوما، فيما يبلغ رصيد "البنزين" 83 ألف طن، أي ما يناهز 43 يوما من المخزون. وفي الوقت نفسه، أوضحت أن قدرات تخزين المواد البترولية السائلة تبلغ حوالي 1.3 مليون طن، منها 93 في المائة متصلة بالموانئ، وأن قدرات تخزين غازات البترول المسيلة تبلغ 324 ألف طن، 88 في المائة منها متصلة بالموانئ.
في اليوم الموالي، 14 أبريل 2022، تدخل مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة، لتقليل وقع المعطى الذي أعلنت عنه الوزيرة، حيث أقر بأن القانون ينص على ضرورة التوفر على احتياطي من الغازوال يكفي لـ60 يوما، لكنه قال إن هذا الاحتياطي "في الغالب يتراوح بين 30 و60 يوما لاعتبارات كثيرة"، معتبرا أن شركات التوزيع تشتغل دون توقف لاقتناء الكميات اللازمة، وأن تجديد مخزون المواد الطاقية السائلة يتم يوما بيوم.
هذا التدخل يكشف مفارقة لافتة، فمن جهة، لم ينف الناطق الرسمي الرقم الصادم الذي قدمته الوزيرة، لكنه أضاف رقما عاما وفضفاضا يتراوح بين 30 و60 يوما، ثم إن القول بأن السوق يتزود يوميا لا يغير من حقيقة أن المخزون القائم لحظة التصريح كان دون السقف القانوني بكثير.
والأهم من ذلك أن بايتاس، وهو يبرر الحاجة إلى مجلس الأمن الطاقي، ربط هشاشة القطاع بعدم وجود تصور شمولي، قائلا إن ما يعانيه القطاع اليوم من هشاشة مرتبط بعدم وجود تصور شمولي، وبالتالي لا بد من وجود مجلس يضم مجموعة من المتدخلين حتى لا يكون القطاع عرضة لأي هشاشة.
بعد يوم واحد فقط، انتقل الخطاب الحكومي من الرقم الصادم 26 يوما إلى الحديث عن استثمارات، ففي لقاء تواصلي مع الصحافة يوم 15 أبريل 2022 بالرباط، كشفت الوزيرة عن وجود استثمارات لفاعلين خواص بقيمة 5 مليارات درهم لرفع مستوى المخزون الاحتياطي وتأمين حاجيات السوق الوطنية، موزعة بين 3 مليارات درهم لتخزين الغاز الطبيعي المسال وغاز البوتان، وملياري درهم لتعزيز قدرات تخزين مادتي "الغازوال" و"البنزين".
وقالت الوزيرة إن هذه الاستثمارات ستتيح إنجاز قدرة إجمالية إضافية للتخزين تصل إلى 890 ألف متر مكعب متم سنة 2023، وهو ما سيمكن من الرفع من المخزون الاحتياطي الوطني ليصل إلى المستوى المحدد قانونا في 60 يوما من مبيعات الشركات البترولية بالسوق الوطنية.
كما ربطت ذلك بالتعليمات الملكية المتعلقة بضرورة إحداث منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، وأكدت أن الوزارة تعمل على إرساء نظام جديد لتدبير المخزون الاحتياطي في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
من 26 يوما إلى 30 يوما
بعد أقل من أسبوع على تصريحها الأول، عادت الوزيرة من داخل قبة مجلس المستشارين يوم 19 أبريل 2022 لتقول إن "وضعية مخزون المنتوجات البترولية تقارب حوالي 30 يوما، وهي وضعية جد عادية خلال العشرين سنة الأخيرة".
كما أقرت بأن الوضعية أصبحت مرتبكة مؤخرا بسبب الطقس الذي أثر على حالات الموانئ خلال الأسبوعين الأخيرين، مما تسبب في تأخر تفريغ البواخر المحملة بالمحروقات. وأضافت أنه بالنسبة لمخزون الاحتياط أو الأمان، التزم الفاعلون ماليا بما يناهز 30 إلى 45 يوما إضافية لتأمين البضائع القادمة، كاشفة أن هناك شهرا من المخزون يقدر بنحو مليون طن بميزانية تقدر بـ8 مليارات درهم. هذا التصريح يثير أكثر من ملاحظة، أولها أن الوزيرة انتقلت سريعا من رقم 26 يوما إلى "حوالي 30 يوما"، وبذلك تحول المعطى من رقم صادم إلى رقم أقل حدة، ثانيها أنها وصفت الوضعية بأنها "جد عادية خلال العشرين سنة الأخيرة".
قدرات تخزين تصل إلى 79 يوما للغازوال
في 7 يونيو 2023، خلال عرض قدمته أمام لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن بمجلس النواب حول حصيلة تنزيل الاستراتيجية الطاقية 2030، كشفت الوزيرة أن الاستهلاك الوطني من المواد البترولية بلغ 11 مليونا و905 آلاف طن سنة 2022، بارتفاع نسبته 6 في المائة مقارنة بسنة 2021، وأن استهلاك "الغازوال" و"غاز البوطان" يمثل أكثر من 70 في المائة من الاستهلاك الكلي، مع بلوغ الكمية المستهلكة من مادة "الغازوال" 5 ملايين و835 ألف طن.
كما أوضحت أنه منذ بداية سنة 2023 تم الشروع في استغلال قدرات تخزينية جديدة تصل إلى 187 ألف متر مكعب بتكلفة استثمارية تقدر بـ800 مليون درهم، ما سيمكن من زيادة الاستهلاك الوطني من "الغازوال" بمقدار 7 أيام، وزيادة استهلاك الوقود الممتاز بـ19 يوما.
ثم قدمت معطيات تشير فيها إلى إجمالي قدرات التخزين المتوفرة حتى نهاية ماي 2023 تصل إلى 79 يوما بالنسبة للغازوال، و104 أيام للبنزين، و61 يوما لوقود الطائرات، و35 يوما للبروبان.
قدرات التخزين: 81 يوما للغازوال
في 30 شتنبر 2024، وأمام أعضاء مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة حول الانتقال الطاقي بمجلس النواب، أشارت الوزيرة إلى أهمية تطوير قدرات التخزين للمواد البترولية لرفعها إلى المستوى القانوني المحدد في 60 يوما، بالإضافة إلى مواكبة سياسة تحرير أسعار المواد البترولية السائلة.
كما ذكرت أن قدرات تخزين "البنزين الممتاز" تصل إلى 109 أيام، بينما تتجاوز قدرات تخزين "الغازوال" 81 يوما.
وأضافت أنه منذ بداية الولاية الحكومية الحالية تم الشروع في استغلال قدرات تخزينية جديدة تصل إلى 1.011 مليون متر مكعب باستثمار يناهز 2.8 مليار درهم، بما سيمكن من زيادة 20 يوما من الاستهلاك الوطني من الغازوال و28 يوما من الوقود الممتاز. كما تحدثت عن مشاريع مبرمجة بنهاية 2024 سترفع القدرات بما يناهز 20 ألف متر مكعب باستثمار 197 مليون درهم، ثم عن 324 ألف متر مكعب إضافية بحلول 2026 باستثمار 750 مليون درهم.
لكن العبارة الأهم هنا هي قولها إن تطوير قدرات التخزين ضروري "لرفعها إلى المستوى القانوني المحدد في 60 يوما"، هذا اعتراف ضمني بأن بلوغ 60 يوما، في المعنى الذي يعتد به قانونيا، لم يكن قد تحقق بعد.
الوزيرة ولغة التحديات
في 21 يناير 2025، وأمام لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، أعلنت الوزيرة أن من بين التحديات الرئيسية التي يواجهها قطاع المحروقات تطوير قدرات التخزين لرفعها إلى المستوى القانوني المحدد في 60 يوما على الأقل، إلى جانب مواكبة سياسة التحرير، وتطوير نظام الحكامة والضبط، وتحسين الإطار التشريعي والتنظيمي، وتبسيط مساطر منح الرخص ورقمنتها.
وأضافت أن المستوى الحالي للقدرات يبلغ حوالي 3 ملايين متر مكعب، موزعة بين المواد البترولية السائلة بحجم تخزين يقدر بـ2.3 مليون متر مكعب، 94 في المائة منها متصلة بالموانئ، وغازات البترول المسيلة بقدرة 798 ألف متر مكعب، 91 في المائة منها متصلة بالموانئ. أما حسب عدد الأيام، فقالت إن مخزون البنزين يغطي 102 يوم، والغازوال 77 يوما، والفيول 70 يوما، ووقود الطائرات 58 يوما، وغاز البوتان 55 يوما، والبروبان 31 يوما.
هنا يعود السؤال نفسه بإلحاح أكبر: إذا كانت الأرقام حسب المواد باليوم تشير إلى 77 يوما للغازوال و102 يوم للبنزين و70 يوما للفيول، فلماذا تصر الوزيرة في الآن نفسه على أن من بين التحديات الرئيسية تطوير قدرات التخزين لرفعها إلى المستوى القانوني المحدد في 60 يوما على الأقل؟
المجلس الأعلى للحسابات: منذ 2009 لم نصل إلى 60 يوما
في تقريره السنوي برسم 2023-2024، الذي قدمته زينب العدوي يوم 15 يناير 2025 بالبرلمان، كشف المجلس الأعلى للحسابات أن المخزونات الاحتياطية لمختلف المنتجات البترولية ظلت دون المستوى القانوني المحدد في 60 يوما منذ سنة 2009 وأعطى مثالا أنه خلال سنة 2023، لم تتعد مخزونات الغازوال 32 يوما، والبنزين 37 يوما، وغاز البوتان 31 يوما.
ولم يقف المجلس الأعلى للحسابات عند الأرقام، بل شرح أسباب استمرار هذا الوضع. فقد أرجعه أساسا إلى الإطار القانوني للمخزونات الاحتياطية للمنتجات البترولية، الذي يعود تاريخه إلى سنة 1977 ويحتاج إلى مراجعة للتكيف مع التغيرات التي طرأت في هذا القطاع. كما أرجعه إلى عدم نجاعة آليات وطرق تمويل هذه المخزونات، التي لا تسمح بتحقيق توازن بين المصالح التجارية للفاعلين من القطاع الخاص ومتطلبات توفير الأمن الطاقي.
وبهذا تكشف هذه الكرونولوجيا أن تعهدات الوزيرة، وعلى رأسها إحداث مجلس للأمن الطاقي، لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، وظلت في حدود التصريحات، وبين بداية الولاية الحكومية برقم في حدود 26 يوما من المخزون ونهايتها عند مستوى يقارب 30 يوما، وفق ما أعلنت عنه بنعلي يوم 5 مارس الجاري، يتضح أن الفارق ظل محدودا، رغم ارتفاع القدرات التخزينية بشكل لافت، وهو ما يبرز أن الإشكال لم يعد مرتبطا بالبنيات التحتية، بل بطريقة تدبير المخزون، ومدى التزام الفاعلين بالمقتضيات القانونية.