يونس ساوري
تحتضن مدينة الرياح الصويرة، من 25 إلى 27 يونيو، فعاليات الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم. ببرنامج تم تصميمه كرحلة بين الضفاف والقارات.
هناك مواعيد لم تعد محل نقاش. فمنذ سنة 1998، فرض مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة نفسه كموعد بارز لا غنى عنه ضمن الأجندة الثقافية المغربية، باعتباره اللحظة التي تتحول فيها المدينة الساحلية إلى فضاء يتردد فيه صدى كبرى الحركيات الموسيقية. ومن المرتقب أن تندرج دورته السابعة والعشرون، المزمع تنظيمها من 25 إلى 27 يونيو 2026 تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، في استمرارية هذه الرؤية، مع تأكيد توجه تنظيمي ذي طابع خاص.
هذه السنة، تولت الإدارة الفنية، التي أسندت إلى المعلم عبد السلام عليكان وكريم زياد، بناء برمجتها على أساس انسجام جغرافي قوي. فمن لبنان إلى الكاميرون، ومن الولايات المتحدة إلى الهند، ومن فلسطين إلى إثيوبيا، ومن السنغال إلى رواندا، تتقاسم المنصات المجتمعة ذاكرة مشتركة، هي ذاكرة العبور البحري والتلاقحات الثقافية. وهو اختيار ينسجم مع هوية الصويرة نفسها، باعتبارها ميناء أطلسيا جرى تصوره منذ تأسيسه في القرن الثامن عشر من طرف السلطان سيدي محمد بن عبد الله، كملتقى منفتح على العالم.
أدرجت الثقافة الكناوية منذ سنة 2019 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو، وهي ثقافة ولدت تحديدا من هذه الحركيات والتنقلات، إذ انبثقت من مجموعات بشرية ذات أصول من إفريقيا جنوب الصحراء، استقدمت إلى المغرب عبر قرون، لتجعل من التمازج مصدر قوتها الإبداعية، وهي تقليد تتجلى فيه الألوان السبعة المستحضرة خلال طقوس "الليلة"، من الأبيض المرتبط بسيدي بلال إلى الأسود الخاص برجال الغابة، ومن الأزرق السماوي للموساويين إلى الأحمر المرتبط بسيدي حمو، حيث تروي هذه الألوان مجتمعة عالما كاملا من الأرواح والأولياء، فلكل لون عطره وإيقاعه ونغمته، ولكل "ملوك" طقسه واستحضاره الخاص.
أكثر من مجرد تظاهرة… مؤسسة قائمة بذاتها
بالنسبة إلى نائلة التازي، منتجة المهرجان، فإن دورة 2026 تتوج مسارا طويلا من العمل على الهيكلة. وتؤكد: "مع مرور الوقت، أصبح هذا المهرجان أكثر من مجرد حدث، بل ما نسميه اليوم بنية تحتية ثقافية غير مادية"، مشددة على طموح واضح: "نريد أن يكون المهرجان حدثا يحمله المغاربة، ومؤسسة نفتخر بها جميعا، بغض النظر عمن يقف وراء تنظيمه".
"في الدورات الأولى، كان يشارك عشرة معلمين فقط، أما اليوم فقد أصبح عددهم يتجاوز 40 معلما في كل دورة".
تترجم الأرقام هذا التصاعد في القوة والتطور، إذ ستجمع دورة 2026 حوالي 460 فنانا، و43 معلما قادمين من مختلف مناطق المغرب، و52 عرضا موسيقيا، إضافة إلى أربعة إبداعات فنية صممت خصيصا للمهرجان.
هذا التحول الكمي يعكس أيضا حيوية عملية نقل التراث داخل المجتمع الكناوي. وتؤكد المنتجة قائلة: "في الدورات الأولى، كان يشارك عشرة معلمين فقط، أما اليوم فقد أصبح عددهم يتجاوز 40 معلما في كل دورة"، مبرزة أن هناك اليوم ضمانا لاستمرارية الأجيال وانتقال هذا الإرث.
تحمل هذه الحيوية أيضا دلالة رمزية قوية، إذ تقول نائلة التازي: "كان الكناوة يعيشون في الهامش، وكانوا مهمشين، ثم أصبحوا تراثا عالميا للإنسانية، بالنسبة لنا، هذا رمز قوي جدا في ما يتعلق بالتنمية البشرية"، واليوم أصبح المعلمون يسافرون ويقدمون عروضهم في الخارج، كما انتشرت مهرجانات كناوية خارج الصويرة "في الدار البيضاء، ومراكش، وفرنسا، ومونتريال".
يعد حفل الافتتاح، باعتباره لحظة تأسيسية في كل دورة، ما يحدد ملامح المهرجان. وبالنسبة لكريم زياد، المدير الفني، فإن المقاربة واضحة: "يتعلق الأمر بإنشاء مرجع موسيقي من خلال الموسيقى التقليدية والعريقة لإفريقيا وللعالم بأسره، وإبراز الجسور والروابط الموجودة بينها وبين الموسيقى الكناوية". ومنذ أربع سنوات، تتميز الفرق المدعوة للمشاركة في حفل الافتتاح بخصوصية مشتركة، وهي أنها مدرجة بدورها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو.
وتقول التازي: "نبرمج مزجا جريئا، ونخرج عن المسارات المعتادة لنقدم للجمهور لحظات فريدة".
هذه السنة، ستلتقي الفرقة الرواندية "إي بوهورو"، التي تقدم ريبيرتوار رقص "إنتوري" المحافظ عليه كما هو منذ قرون، مع مهدي نصولي، أحد أبرز وجوه الجيل الجديد للغناء الكناوي. كما سيشارك في هذا اللقاء الصوتان النسائيتان القويان غانافيا القادمة من الهند وسارة المولابلاد من المغرب، إلى جانب عازف الفلوت الفرنسي سيلفان بارو، المتخصص في الموسيقى التقليدية الإيرلندية والبريتانية. وهو لقاء غير مسبوق، يقوم على توزيع موسيقي صوتي (أكوستيكي) يضع الاستماع في صميم التجربة.
هذه الفلسفة القائمة على اللقاء المتحكم فيه تطبع بها برمجة المهرجان ككل. وتؤكد نائلة التازي: "نبرمج مزجا جريئا جدا، نخرج عن المسارات المعتادة ونتحمل المخاطرة لأننا نريد أن نقدم لجمهور هذا المهرجان لحظات فريدة واستثنائية". ففي الصويرة، لم يكن المزج يومًا مجرد تأثير عابر، بل هو مسار قائم بذاته.
الإقامة الفنية، مختبر الإبداع
تبنى كل دورة حول لحظة محورية غالبا ما تكون غير معروفة لدى الجمهور الواسع: وهي الإقامة الفنية. ويوضح كريم زياد: "إنها عرض ندعو فيه موسيقيين من مختلف أنحاء العالم للعمل مسبقا على ريبيرتوار كناوي". وهو عمل تحضيري يعتبره المدير الفني ضروريا: "لأنه يسمح بتجاوز مجرد الجلسات الارتجالية (jam session) نحو منطق حقيقي للإبداع".
ستقود إقامة 2026 المعلم حسن بوسو، ابن المعلم الكبير حميدة بوسو، إلى جانب كل من جاك شوارتز-بارت على الساكسوفون، ومحمد الدرويش على الغيتار، وألكسندر هيريشون على الترومبيت، ومريم عصيد، وهي مغنية أمازيغية من الجنوب، التي ستؤدي مقطعا مع المجموعة. إنها كيمياء فنية مصممة على المدى الطويل.
وبالمستوى نفسه من الدقة، ستقدم فقرة "تآلفات إفريقيا" (Pentatonies d’Afrique)، التي تجمع المعلم مونتيري من أكادير، وفرقة "بادوميز باند" البريتانية، والمغنية الإثيوبية سيلامنيش زيميني. وسيعمل هؤلاء على استكشاف نقاط التقاطع بين الموسيقى الإثيوبية والموسيقى الكناوية، "كل ذلك مدمج داخل الآلات الموسيقية الحديثة لفرقة بادوميز باند"، يوضح كريم زياد.
لقاءات في القمة
تظل العروض الممزوجة (الفيوزيون) بصمة مميزة لمهرجان كناوة. وسيشارك المعلم حميد القصري في أداء مشترك مع كارلينيوس براون، الذي سبق أن حضر الدورة العشرين سنة 2017. بين المغرب والبرازيل، تتقاطع الموروثات الإفريقية الأطلسية في حوار موسيقي متبادل. ويرى كريم زياد أن هذا الحوار أعمق مما يبدو: "في القراقب عند الكناوة، وبشكلها الثنائي الإيقاع، هناك إيقاع يسمى "كاراكاتو". والإيقاع نفسه موجود في الموسيقى البرازيلية ويسمى "ماراكاتو" اسمان متشابهان تقريبا، يحيلان إلى ذاكرة إيقاعية مشتركة عبر ضفتي الأطلسي.
ومن بين اللحظات المرتقبة أيضا، اللقاء بين جوقة "هارلم سبيريت أوف غوسبيل" بقيادة أنتوني مورغان، ومهدي قموم، في سابقة أولى للمهرجان. ويوضح المدير الفني: "كما هو معروف، فإن الغوسبيل موسيقى مقدسة أنشدها العبيد الأفارقة الذين جلبوا إلى الولايات المتحدة خلال فترة العبودية. هذا اللقاء مع الموسيقى الكناوية سيبرز الجذور المشتركة بين هذين التقليدين، اللذين يتجاوزان الأشكال والأديان للعودة إلى ذاكرة مشتركة". فبينما يغني الغوسبيل الإيمان المسيحي، تستحضر الكناوة الأولياء والـ"ملوك"، لكن كليهما يشتركان في وظيفة واحدة هي الجمع بين الناس ونقل الذاكرة عبر الموسيقى.
أما ريتشارد بونا، الفنان الكاميروني المقيم في نيويورك، فسيعود للقاء أسماء لمنور، في تعاون فني سبق أن بدأ بينهما. ويذكر كريم زياد: "إنها قصة فنية انطلقت منذ سنوات، حين دعت أسماء ريتشارد للعزف والغناء في أحد أعمالها". وبعد ثماني سنوات، يواصل الفنانان هذا التعاون الذي بدأ في الاستوديو، على خشبة ساحة مولاي الحسن بالصويرة.
تكريم للمعلم مصطفى بقبو
ستحمل دورة 2026 أيضا بعدا تذكاريا قويا، من خلال تكريم المعلم مصطفى بقبو، الذي رحل في 8 شتنبر 2025 عن عمر ناهز 72 سنة. وهو ابن مدينة مراكش، ولد سنة 1953، وتلقى تكوينه الأول في فن التگناويت منذ طفولته على يد والده المعلم العياشي بقبو داخل زاوية كناوية بمراكش. وبعد بداياته في فرق محلية مثل "نجوم الحمرا"، التحق في سبعينيات القرن الماضي بالفرقة الأسطورية "جيل جيلالة"، حيث ساهم في تجديد الموسيقى الشعبية المغربية، من خلال إعادة قراءة فن الملحون وإحياء قصائد قديمة (قصائد).
وتقول نيلى التازي: "كان عملاقا في التگناويت. وعندما نفكر فيه وفي ما أثاره من انبهار على الساحة الدولية، يجب أن نتذكر أنه عزف مع بات ميثيني، وكارلوس سانتانا، وماركوس ميلر، وأومو سانغاري". وهي قائمة تعاونات تعكس حجم فنان يعتبره كريم زياد "الأعظم في جيله، بفضل مقاربته الفريدة والمبتكرة بين الكمبري والإيقاع (الگروف)، والتي ألهمت الجيل الجديد بأكمله". كما يحب المدير الفني أن يروي كيف أن مصطفى بقبو كشف لماركوس ميلر عن الأصل الإفريقي لآلة الباس، بعدما أذهله بقوة عزفه على الكمبري.
صرامة تتجاوز الخشبة
وفاء لرسالته في تعزيز تداول الأفكار، يعيد المهرجان تنظيم منتدى حقوق الإنسان في دورته الثالثة عشرة. وقد ولد هذا الموعد سنة 2012 تزامنا مع الربيع العربي، وسيخصص هذه السنة لموضوع: "شباب العالم: الحرية، الهوية، المستقبل"، بمشاركة أسماء من بينها محمد المهدي بنسعيد، والفيلسوف السنغالي سوليماين بشير ديان، ونجاة فالو-بلكاسم، وليلى سليماني، وأسماء المودير، ورشيد بنزين.
كما يعود برنامج "بيركلي في مهرجان كناوة وموسيقى العالم" في دورته الثالثة. وتقول نيلى التازي: "في سنة 2010، جاء رئيس معهد بيركلي إلى الصويرة لحضور المهرجان، وفي نهاية ثلاثة أيام قال لي: لديكم هنا عاصمة عالمية للموسيقى". وبعد ستة عشر عاما، يستمر برنامج تكويني مكثف يمتد لستة أيام، مخصص لتطوير المهارات الموسيقية، ويستقبل عشرات الموسيقيين وفق مقاربة: "الاستماع بأذن عالمية، والعزف بمفهوم عالمي".
وبالتوازي مع ذلك، تواصل "كرسي التحولات" الذي تم تطويره بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) عمله في البناء الأكاديمي حول التمازجات الثقافية.
ويضم البرنامج الكامل أيضا فنانين مغاربة مثل هوبا هوبا سبيريت، وبوب مغريب، وأودادن، ومريم عصيد، وبنات اللوز ورسكاس، إلى جانب ياسمين حمدان ومجموعة "47 سول" الفلسطينية. وتلخص نيلى التازي الفكرة قائلة: "هذا المهرجان يثبت أن الثقافة المتجذرة يمكن أن تكون كونية بعمق". وهكذا تستعد الصويرة مرة أخرى لتؤكد أن الميناء ليس نهاية، بل دائما نقطة انطلاق.