ميثاق الالتزام والحكامة.. الكرة المغربية على أعتاب ثورة تسييرية

أمينة مودن

لطالما عانت كرة القدم المغربية من أزمات متكررة، لم تكن مرتبطة فقط بأداء اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، بقدرما كانت تتعمق في غياب الحوكمة، والشفافية، والاحتراف الحقيقي في تسيير الأندية.

فمرحلة "الهواية" التي امتدت لعقود، تركت بصماتها السلبية على مختلف المستويات، من الإدارة إلى الشؤون المالية، مما أثر على تطور "البطولة الاحترافية" التي طال انتظارها.
ورغم تبني "الاحتراف" على الورق، فإن المشاكل ظلت تلاحق أندية البطولة.
وفي هذا السياق، ارتأت العصبة الاحترافية لكرة القدم ومعها الجامعة، اعتماد "ميثاق الالتزام والأخلاقيات والحكامة" للأندية المحترفة كخطوة إصلاحية.
هذا الميثاق، الذي سيدخل حيز التنفيذ ابتداء من موسم 2025 /2026، ليس مجرد وثيقة إجرائية، بل هو إعلان عن نهاية حقبة وبداية أخرى تضع المسؤولية والنزاهة في قلب إدارة الأندية.

مسؤولية الرئيس.. نهاية عهد "التسيير الفردي"

من أبرز ما يميز هذا الميثاق هو التركيز على مسؤولية رئيس النادي، فالميثاق يرسخ مبدأ أن الرئيس ليس مجرد ممثل، بل هو الضامن المؤسساتي والقانوني والمالي للنادي.
وشدد الميثاق على أن الرئيس مسؤول شخصيا وتضامنيا عن كل الالتزامات المالية التي يوقع عليها.

هذه النقطة تحديدا تعتبر ثورة في عالم التسيير الكروي المغربي، حيث تضع نقطة نهاية لفوضى القرارات الفردية التي كانت تورط الأندية في ديون تراكمية بعد رحيل رؤسائها.
ولعل الأهم هو إقرار الميثاق بحتمية تسليم السلطة بشكل منظم، حيث لا تنتهي ولاية الرئيس إلا بعد تقديم تقرير شامل للجمعية العامة.

هذا، وتمنع عليه الاستقالة في منتصف الموسم دون تسليم رسمي للمسؤولية.

هذا الشرط الذي يفرضه الميثاق يضمن الاستمرارية والاستقرار، ويحمي الأندية من الوقوع في فراغ إداري أو مالي، مما كان يسبب كوارث حقيقية في الماضي، ويضع مستقبل الفريق أمام طريق مجهول.

الشفافية المالية.. حماية من "الميزانيات الوهمية"

لطالما كانت الأرقام المالية للأندية "صندوقًا أسود"، ولكن الميثاق الجديد يهدف إلى فتح هذا الصندوق على مصراعيه، من خلال إلزام الأندية بتقديم "ميزانية صادقة" يوقع عليها الرئيس، وحظر "الديون غير المغطاة والميزانيات الوهمية".
هذا الإجراء، بالتعاون مع لجنة الأخلاقيات، سيساعد على تنقية الأجواء المالية في البطولة، وحماية الأندية من التلاعب.
كما أن مطالبة الميثاق بتقديم تقارير سنوية للجمعية العامة، واقتراح نشر تقرير مبسط للشركاء والجماهير، سيعزز الثقة والشفافية، ويعيد الجماهير إلى دائرة التأثير الإيجابي بعدما كانت تعاني من غياب المعلومة.

الاحترافية والإدارة.. ركنا الاستقرار

إلى جانب الحكامة، يضع الميثاق الاحترافية الإدارية كإحدى الركائز الأساسية، حيث يلزم الأندية بتعيين طاقم إداري دائم ومؤهل، مع التركيز على أهمية التكوين المستمر للمسؤولين، والهدف ضمان استمرارية العمل حتى في حال تغيير المكتب المديري المسير.
ويضع الميثاق قواعد صارمة لمنع التلاعب بالعقود، مثل حظر التوقيع في حالات تضارب المصالح أو التعامل مع وكلاء غير معتمدين، لحماية النادي من العقود المشبوهة التي كانت تستنزف خزائنها.

عقوبات في حق المتجاوزين

لم يقتصر الميثاق على وضع قواعد الحكامة والشفافية، بل حدد أيضا نظاما صارما للعقوبات في حالة الإخلال بمقتضياته.
وتتنوع هذه العقوبات بين التنبيه والتوبيخ، والغرامات المالية التي تتراوح ما بين 20 ألفا و200 ألف درهم، وصولا إلى توقيف أو عزل المسؤولين المعنيين، حسب الميثاق.
كما يمكن إحالة الملفات الخطيرة على لجنة الأخلاقيات والتأديب التابعة للجامعة، مما يعكس جدية الأطراف الموقعة في ضمان احترام الميثاق وتطبيقه بشكل فعلي.
وتراهن الجامعة والعصبة على أن يشكل هذا الإطار الجديد نقطة تحول في تاريخ الكرة المغربية، بما يضمن الاستقرار المؤسسي ويرسخ صورة أكثر شفافية واحترافية للأندية الوطنية.

تحديات تنتظر التطبيق

لا شك أن هذا الميثاق يمثل خطوة مهمة من أجل بناء قاعدة صلبة لبطولة محترفة حقيقية، حيث جمع بين القوانين والضوابط اللازمة لإنهاء عشوائية التسيير، وإدارة الأندية الوطنية بمسؤولية وشفافية.

ولكن التحدي الأكبر أمام الأجهزة المشرفة على كرة القدم الوطنية سيكون في التطبيق، فمدى نجاح هذا الميثاق سيتوقف على جدية الأطراف الموقعة عليه، وعلى صرامة لجنة الأخلاقيات في تطبيق العقوبات المنصوص عليها.

إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ من رئيس النادي وتنتهي عند أصغر موظف، لتثبت أن الكرة المغربية قادرة على الانتقال من مجرد رياضة شعبية إلى صناعة محترفة حقيقية.