نصف قرن من الظلم وزيادة!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

إذا ما حاولت سرد تاريخ الظلم التحكيمي، ليس فقط في مباريات كرة القدم، بل كل المسابقات، تجاه أندية ومنتخبات المغرب، سنحتاج إلى مداد يفيض ولن تسعه هذه الزاوية.

نصف قرن، حسب ما تم توثيقه، من سرقة الفرح، قتل الشغف، اغتيال النزاهة، تلطيخ بدَل قضاة الملاعب بعار التلاعب في حسم الألقاب أو الحرمان من التأهل.

غادرنا عددا من المسابقات القارية والعالمية، ليس فقط بسبب أداء أنديتنا ومنتخباتنا. لم نرفع كؤوس بطولات أيضا، لأن مسؤولين قرروا ذلك، ثم أمروا الصافرة بتنزيل القرار.

دعونا نتذكر فقط ما حدث خلال السنوات الأخيرة، مع الوداد والرجاء والجيش الملكي ونهضة بركان وحسنية أكادير والفتح الرباطي... نستحضر تعبير نور الدين أمرابط بعد صافرة نهاية مباراة منتخبنا الأخيرة في دور مجموعات نهائيات كأس العالم 2018، حين صاح أمام الكاميرا "Var Is Bullshit".

نعم، كان الـ"Var" كما وصفه لاعب الوداد الرياضي الحالي، حين حُرم الأحمر من هدف صحيح بداعي التسلل، سنة 2019 أمام الترجي التونسي. الأخير، سرق لقب عصبة الأبطال الإفريقية، من الأحمر، بتواطؤ جهات عدة، أمام أنظار العالم. حامَ في تلك الليلة الرمضانية طيف سليم شيبوب فوق ملعب "رادس" ودهاليزه، لتنقطع الكهرباء عن غرفة حكام تقنية الفيديو، كما كانت تنقطع خلال مباريات "ولاد السويقة" في مواجهة منافسيهم المحليين، أيام زين العابدين بن علي.

مسار الوداد، طيلة العشر سنوات التي غزا فيها إفريقيا طولا وعرضا، كان كفيلا بأن تفوق حصيلته إضافة نجمتين إلى قميصه، لو أن التحكيم كان عادلا.

كل من سرقوا الفرح من جماهير الوداد، احتفلوا ولم يمارسوا حتى محاولات النقد الذاتي بعد ذلك!

لنأتي لغريمه فريق الرجاء الرياضي، وضربة الجزاء الخيالية في ربع نهائي نفس المسابقة، أمام الأهلي المصري. قرار تحكم فيه مخرج المباراة، بعرض زاوية تظهر أن الكرة ضربت في يد مدافع الأخضر داخل مربع العمليات.

هكذا ظهرت لنا اللقطة في البث الحي، ليتضح بعد ذلك أن المخرج المصري تعمد إخفاء لقطات أخرى تُظهر الكرة وهي تضرب في أسفل جسم اللاعب لا يده الممتدة.

أقصي الرجاء أمام الأهلي، احتفى جمهوره وإعلاميوه ومسؤولوه وكل من يواليه، دون أن تنطق ضمائرهم بأنه تأهل "مشفور".

ماذا عن حسنية أكادير؟

عانى من سيناريو قريب لما عاشه الرجاء. مرة أخرى، المنافس مصري والمخرجة مصرية.

إياب ربع نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية، الدقيقة 83 من زمن المواجهة، الكرة تتجاوز خط شباك حارس الزمالك، هدف شرعي كان سيمنح الحسنية التأهل للنصف، تستمر المباراة دون العودة لغرفة الـ"Var"، لأن المخرجة إيناس عثمان قررت إخفاء اللقطة.

فرحة إضافية مسروقة في سجل كرة القدم لصالح ناد مصري. لم يهمس مرة أخرى مناصروه، وكل من يدور في فلكه بكونهم لا يستحقون التأهل.

هل من مزيد...؟ نعم...!

التاريخ: 24 أكتوبر 2021؛ المكان: ملعب "فاتح نونبر" بتيزي وزو الجزائر؛ الحدث: إياب الدور التمهيدي الثاني لكأس الكونفدرالية الإفريقية؛ الفضيحة: آخر ثواني المباراة، هدف صحيح لنادي الجيش الملكي في مرمى شبيبة القبائل يلغيه الحكم!

خرج لـ"FAR" من المسابقة، واستمر النادي الجزائري، ولم تصدر كلمة واحدة من الجارة الشرقية، أو غيرها، تفضح وتنتقد هذا المُنكر.

واقعة أخرى، سنة 2023، تحدث أيضا بالجزائر، بطلها الحكم التونسي صادق السالمي، حين قرر حرمان نادي الفتح الرباطي من هدف صحيح في شباك نادي اتحاد العاصمة.

ماذا كان مبرر إلغاء الهدف؟

أشار الحكم إلى أن الكرة تجاوزت الخط قبل أن تصل للمهاجم حمزة هنوري.

ماذا أظهرت الإعادة التلفزية؟

الهدف صحيح مائة في المائة، لكن حرم الفتح من الفوز بالمباراة التي انتهت بالتعادل السلبي، برسم إياب الدور التمهيدي لكأس "الكاف".

ماذا حدث بعدها؟

لم تتذكر جماهير اتحاد العاصمة الجزائري، وإعلامه، أن هناك عدالة كروية وجب الانتفاض لأجلها.

عدالة غابت، مرة أخرى، خلال ضربات جزاء نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية بين نهضة بركان والزمالك.

الحارس المصري محمد جنش، يتجاوز خط المرمى قبل تنفيذ ضربة الجزاء، لكن الحكم الإثيوبي، باملاك تسيما، يكتفي فقط بطلب إعادة المحاولة، متجاهلا أن القانون يفرض عليه إشهار بطاقة صفراء في وجه اللاعب كانت ستكون الثانية، ليغادر المباراة، ما يمنح النادي البركاني أفضلية مستحقة، تقربه من حسم اللقب لصالحه.

انتهت المباراة، فرح المصريون من أنصار الأبيض بخطين أحمرين. طبعا، مرة أخرى، لم نسمع أحدا منهم يتحدث عن العدالة الكروية وأصحاب الحق...

هل انتهت قصص الفضائح التي يكون فيها المغاربة الطرف الضحية في نهاية القصة؟

طبعا لا... قلنا سلفا هنا، مداد الفضائح التحكيمية ضد المغاربة غزير لا ينضب أبدا.

هناك عشرات، بل مئات الحالات، تهم منتخباتنا.

وأمام كل ما سبق، أكثر ما يحز في النفس أنه عندما أصبحنا نُنصف من حين لآخر، ننال حقنا لا غير، يظهر من أبناء جلدتنا من يعيشون على إيقاع يوميات المصابين بـ"متلازمة ستوكهولم".

نصف قرن من الظلم التحكيمي، حين تحين لحظات شفاء كرة القدم منه، يتكلف بعض المغاربة بمهمة جلد الذات، دون وجه حق، مساهمين في إعادة الجسد العليل إلى سابق أمراضه، مع رش الملح فوق جروحه التي تعفن بعضها وفاحت رائحتها منذ عقود.