قدم وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الأربعاء، أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، تفاصيل مستجدات مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، مؤكدا أن النص الجديد يشكل مراجعة شاملة للإطار القانوني المعمول به منذ ما يقارب 20 سنة، ويهدف إلى تحصين المهنة وتحديثها وتعزيز الثقة في منظومة العدالة، انسجاما مع الدستور والتوجيهات الكبرى لإصلاح القضاء.
وأوضح وهبي أن هذا المشروع جاء بعد تقييم معمق لحصيلة تطبيق قانون "خطة العدالة" لسنة 2006، وما كشف عنه من اختلالات وإكراهات عملية حالت دون تحقيق الأهداف المتوخاة، مبرزا أن الوزارة اعتمدت في إعداده مقاربة تشاركية شملت حوارا مسؤولا مع الهيئة الوطنية للعدول، إلى جانب استشارة المجلس العلمي الأعلى بحكم مرجعية المهنة للشريعة الإسلامية، وأخذ رأي المجلس الأعلى للسلطة القضائية طبقًا لمقتضيات القانون التنظيمي المنظم له.
وأكد وزير العدل أن أول تحول جوهري في المشروع يتعلق بإعادة تسمية المهنة، حيث تم التخلي عن تسمية "خطة العدالة" واعتماد تسمية "مهنة العدول"، انسجامًا مع تطور التشريع الحديث ومع تسمية باقي المهن المساعدة للقضاء، وقطعا مع حالة اللبس التي أحدثتها تسميات غير قانونية استعملها بعض المهنيين، وما تطرحه من خلط لدى العموم بشأن الصفة القانونية للعدل.
وفي ما يخص الولوج إلى المهنة، شدد وهبي على أن المشروع فعّل توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، من خلال فتح المجال أمام النساء للانخراط في المهنة على قدم المساواة مع الرجال، واعتماد نظام المباراة بدل الولوج المباشر، بما يكرّس مبدأ تكافؤ الفرص، مع إحداث مؤسسة خاصة بالتكوين تتولى التكوين الأساسي والمستمر للعدول، وفرض شروط قبلية لمزاولة المهنة، من بينها التوفر الإجباري على مكتب داخل دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية، للقطع مع ممارسات غير مهنية سادت في السابق.
وعلى مستوى الحقوق والواجبات، أبرز وزير العدل أن المشروع أقر مستجدات نوعية، من بينها تمكين العدل من حق التوقف المؤقت عن ممارسة المهنة لأسباب علمية أو دينية أو صحية، وفق ضوابط محددة وبترخيص من الوزارة، مع التشديد على ضرورة مزاولة المهنة داخل مكاتب لائقة ومجهزة. كما اعتبر أن إدراج خدمات العدل ضمن الخدمات العمومية يفرض ضمان استمرارية المرفق، لذلك نظم المشروع حالات الغياب بعذر، عبر تكليف عدل آخر لتدبير شؤون المكتب، ومنع إفراغ أي مكتب عدلي إلا بعد إشعار المجلس الجهوي المختص.
وأكد وهبي أن المشروع حمّل العدل مسؤولية مباشرة عن عمليات التسجيل والتحفيظ، وعن الأضرار الناتجة عن أخطائه المهنية أو أخطاء المتمرنين والأجراء، مع إلزامه بالتأمين عن هذه المسؤولية، كما فتح إمكانية ممارسة المهنة بشكل ثنائي أو في إطار المشاركة، بما يتيح مرونة أكبر في التنظيم المهني. وفي السياق نفسه، تم وضع آجال وضوابط صارمة للشروع في ممارسة المهنة، لا تتجاوز ستة أشهر بعد التعيين، مع ترتيب جزاءات تأديبية على الانقطاع غير المبرر، وإلزام العدول الذين تجاوزوا 70 سنة بالإدلاء سنويا بشهادة طبية تثبت قدرتهم على الاستمرار.
وفي ما يتعلق بتحرير العقود وتلقي الشهادات، أوضح وزير العدل أن المشروع أحدث نقلة نوعية باعتماد التحرير بواسطة الحاسوب كقاعدة، مع السماح بالتحرير اليدوي استثناء بشروط دقيقة، وتنظيم عملية الخطاب بتوقيع يدوي أو إلكتروني مؤهل داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام. كما نص على وجوب تلقي الإشهاد بالمكتب، وعدم الانتقال خارج دائرة المحكمة إلا بإشعار القاضي المكلف بالتوثيق ورئيس المجلس الجهوي.
وسجل وهبي أن من أبرز مستجدات النص تقنين شهادة اللفيف لأول مرة بنص قانوني واضح، بتحديد عدد الشهود في اثني عشر، وضبط مساطر التلقي والرجوع والإنكار، بما يضع حدا لاجتهادات متباينة كانت تثير إشكالات قانونية. كما أولى المشروع عناية كبيرة لحفظ العقود والسجلات، عبر إرساء نظام مزدوج للحفظ الورقي والرقمي، وإلزام الإيداع الإلكتروني اليومي لدى منصة وزارة العدل، مع الحفظ الاحتياطي المركزي وحماية المعطيات الشخصية.
وعلى المستوى التنظيمي، شدّد وزير العدل على أن المشروع عزّز حكامة الهيئة الوطنية للعدول، بإلزامها بوضع مدونة سلوك مهنية وأداء الواجبات المالية، واعتبارها الممثل الوحيد للمهنة أمام الإدارة، مع تنظيم إحداث المجالس الجهوية على أساس نصاب أدنى، وإقرار إلزامية قرارات المكتب التنفيذي لباقي الأجهزة، تفاديا لأي تضارب أو نزاع تنظيمي.
وخلص وهبي إلى التأكيد على أن المشروع تضمن مقتضيات انتقالية حاسمة، أبرزها إلغاء مهنة النساخة وإدماج النساخ في مهنة العدول مع الحفاظ على حقوقهم المكتسبة وإخضاعهم لفترة تمرين، إلى جانب نسخ القوانين السابقة المنظمة للمهنة. واعتبر أن هذا النص، في حال المصادقة عليه، سيحدث طفرة نوعية غير مسبوقة في التشريع الإجرائي وفي المشهد القضائي، داعيا البرلمانيين إلى تجويده بما يخدم إصلاح العدالة.