يراعي القيم الثقافية والتاريخية للدول.. الهمامي: أطفال يعدون دليلا للذكاء الاصطناعي

خديجة عليموسى

كشف قيس الهمامي، مدير مركز الإيسيسكو للاستشراف والذكاء الاصطناعي، أنه يجري العمل، بتعاون مع منظمة "اليونيسف"، على إعداد دليل للذكاء الاصطناعي موجه للأطفال، ينجزه الأطفال أنفسهم، وليس من قبل الخبراء.

وأوضح الهمامي، في ندوة وطنية نظمها المركز الوطني للتوثيق حول "من المعلومة إلى الأثر: الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة كرافعة استراتيجية" اليوم الخميس بالرباط، أنه يتم أيضا إعداد أول معجم بثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية، إلى جانب إطلاق مؤشر خاص بالإيسيسكو قبل نحو ثلاثة أشهر، وصفه بكونه عملا استثنائيا يأخذ بعين الاعتبار عناصر لا تحضر في المؤشرات الدولية، من قبيل مفهوم الأسرة والكرامة.

وسجل الهمامي وجود فجوة واضحة بين ما تنتجه منظمات دولية أخرى وما يتم تطويره داخل الإيسيسكو، الذي يراعي القيم الثقافية والتاريخية الخاصة بالدول.

وفي سياق حديثه عن الاستشراف، استحضر الهمامي استعارة  الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجيه، التي تشبه الحضارة أو المؤسسة بسيارة تسير بسرعة متزايدة في بيئة تعرف تحولات متسارعة، موضحا أنه عندما يصبح المحيط غير متوقع وغير مؤكد، فإن الحل يكمن في تقوية "أضواء" هذه السيارة لتفادي المخاطر.

وأشار إلى أن موضوع الاستشراف ليس المستقبل، بل الحاضر، متسائلا عما يمكن القيام به في اللحظة الراهنة لتغيير مجرى الأحداث، و أن التجربة المغربية أظهرت هذا المعطى بشكل واضح من خلال قدرتها على مواكبة التحولات.

وبخصوص الذكاء الاصطناعي، أوضح أن الإيسيسكو نشرت ميثاقها الخاص بهذا المجال بعد سنوات من العمل، شارك فيه المغرب وصادق عليه، مبرزا أن هذا الميثاق يحمل بعدا استشرافيا لأنه قابل للتطور.

وتابع بالقول إن النقاش لم يعد يقتصر على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بل أصبح يتجه نحو "أخلاقيات المستقبل"، باعتبارها أكثر شمولية.

وفي ما يتعلق بالأدوات التحليلية، انتقد الهمامي الاكتفاء بتحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، مبرزا أن الاقتصار على هذا التحليل ثم الخروج بتوصيات استراتيجية يشكل أحد أعطاب المقاربات السائدة.

وأوضح أن التشخيص الحقيقي ينطلق من الماضي، عبر تحليل رجعي شامل لفهم الحاضر الذي يتشكل بفعل إشارات ضعيفة وعوامل تغيير حاسمة واتجاهات ثقيلة قادمة من الماضي، مبرزا  أن فهم المستقبل يقتضي الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وأضاف أن المستقبل ليس واحدا بل متعددا، فيما يسمى في الاستشراف "مجال الممكنات"، حيث توجد سيناريوهات متعددة، من بينها ما هو مرغوب وما هو قابل للتحقق، وهو ما يفرض اعتماد استراتيجيات على المدى القصير والمتوسط والطويل.

واستحضر في هذا السياق أطروحات ابن خلدون، الذي اعتبر أن التاريخ كما كتب لا يعكس الحقيقة، لأن المؤرخين كانوا مجرد ناقلين للأحداث ويسعون إلى التقرب من السلطة، ما يؤدي إلى تحريف الوقائع، موضحا أن فهم التاريخ شرط أساسي للتمييز بين الممكن والمستحيل وبين المحتمل وغير المحتمل.

وأبرز الهمامي أن الذكاء الاصطناعي يتيح، بفضل قدرته على تحليل البيانات، بناء سيناريوهات قريبة من الواقع واستباق التحولات، ورصد "الإشارات الضعيفة" التي قد تتحول إلى عوامل مؤثرة، لافتا إلى  أنه لا يمكن أن يعوض صانع القرار، بل يظل أداة لمساعدته على اتخاذ قرارات دقيقة في ظل بيئة معقدة ومتغيرة.