وهم السيادة في الخلاء.. ولد سيدي مولود  يكشف حقيقة "الدولة الصحراوية" المزعومة وعزلته بموريتانيا

تيل كيل عربي

يقف مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، قائد شرطة سابق لجبهة البوليساريو، عند واحدة من أبرز المفارقات التي تطبع النزاع في الصحراء، وهي وجود "دولة" بلا أرض ولا سيادة، قائمة في الخيال السياسي أكثر مما هي في الواقع، وذلك في حوار حصري  له مع مجموعة "تيليكل" أجراه كل من أحمد مدياني وياسين مجدي.

ففي معرض إجابته عن سؤال حول واقع الحياة اليومية في المخيمات، قال:"هل تعرف ما هو أكبر مكسب حققته البوليساريو حتى الآن، إنها الجمهورية الصحراوية. من الخارج تبدو كيانا خياليا أو وهميا؛ إذ نتحدث عن "دولة" داخل الأراضي الجزائرية. ولكن من الداخل، تجد رئاسة، وحكومة، وولايات، وبلديات، ونظاما إداريا متكاملا. المولود في المخيمات يحصل على شهادة ميلاد كـ"مواطن صحراوي"، ثم يذهب إلى المدرسة، ويبحث عن وظيفة، ويرى نفسه جزءا من دولة مثلها مثل أي دولة في العالم. من يعيش هناك لا يشعر أنه لاجئ، بل يرى نفسه داخل "دولة صحراوية" بكل تفاصيلها، في انتظار اليوم الذي تُنقل فيه هذه الدولة إلى داخل الصحراء".

وحول ما إذا كان هذا التصور لا يزال قائما لدى الأجيال الجديدة التي ولدت بعد وقف إطلاق النار سنة 1991، أكد أن ذلك الشعور "نشأ عليه هذا الجيل"، مضيفا: "الدولة الصحراوية أُعلنت عام 1976، ومرّ الآن 49 عاما. هناك من صار جدا داخل هذه "الدولة". أجيال كاملة نشأت ضمن هذا الإطار، ولهذا لا يشعر هؤلاء الناس بأنهم في وضع غير طبيعي. غير الطبيعي لديهم هو أن يُطلب منهم الذهاب إلى دولة أخرى. بالنسبة لهم، الدولة التي يعيشون فيها هي دولتهم، حتى إن كانت في الخلاء أو تعاني الفقر".

وفي قراءة رمزية جريئة، شبّه ولد سيدي مولود هذا الكيان بـ"عجل السامري"، قائلا: "الفكرة تشبه صنما رمزيا. يمكن تشبيهها بعجل السامري. السامري صنع لهم عجلا وقال لهم: هذا إلهكم. والجزائر أعطت قطعة أرض وقالت لهم: أسسوا فيها دولتكم. الجزائر هي السامري، والدولة الصحراوية هي العجل. وفي أي لحظة، إذا قررت الجزائر إنهاء هذا الكيان، سيتضح للناس أن ما كانوا يعتبرونه دولة هو مجرّد كيان بلا روح، بلا سيادة حقيقية".

وعند سؤاله عن دلالات استئناف المفاوضات المحتملة، قال إن فهم المشهد يتطلب مقاربة النزاع على شكل مثلث بثلاثة أضلاع، هي الجزائر والبوليساريو والصحراويون، موضحا: "المغرب يتنازع مع هذه الأطراف الثلاثة. الجزائر والمغرب بينهما خصومة تقليدية ممتدة وقديمة. الوضع تفاقم لأن المغرب بات أقوى على مستوى المؤسسات والاستقرار الداخلي، في حين بقيت الجزائر تعاني من أزمة نظام عسكري فقد ثقة الشعب. النزاع حول الصحراء أصبح ورقة مساومة في هذا الصراع الثنائي".

أما فيما يخص طبيعة البوليساريو، فقد اعتبرها قائد الشرطة السابق لجبهة البوليساريو كيانا غير موحد، تتحكم فيه مجموعة ضيقة حيث قال "النظام القائم داخل المخيمات هو مجموعة صغيرة تمسك بزمام الأمور منذ البداية. كثير من أعضائها ليسوا من الصحراء أصلا، بل جاؤوا من طانطان، وآسا، وكلميم، وموريتانيا، أو الجزائر. بعضهم شعر بالتهميش في مجتمعه الأصلي ووجد ذاته في هذا المشروع الذي وفر له السلطة والمكانة. لذلك، هذا التحالف مع الجزائر ليس مجرد تحالف سياسي، بل هو تحالف مصلحة وبقاء".

وعن الظروف التي دفعت آلاف الصحراويين إلى المخيمات، يوضح ولد سيدي مولود أن الخوف، لا الوعي السياسي، هو ما دفعهم إلى الهروب، ويوضح في هذا الصدد قائلا  "عندما وقعت المسيرة الخضراء، لم تدخل إلى الصحراء، بل توقفت في منطقة الطاح. من دخل فعليا كان الجيش المغربي، من جهة، والموريتاني، من الجهة الأخرى. الصحراوي البسيط، الذي لم يكن يعرف شيئا عن الجيوش أو السياسة، رأى مجموعات مسلحة فجأة، فتصرف برد فعل فطري: الهروب أو المقاومة. البوليساريو كانت موجودة مسبقا، فاستغلت هذا الخوف وسوّقت لهم أن المغرب قادم للاعتداء عليهم، فهرب كثيرون إلى المخيمات لا بحثا عن الاستقلال، بل عن الأمان".

ويتابع مؤكدا: "الوعي السياسي كان غائبا تماما لدى السكان. الذين طالبوا بتقرير المصير هم عناصر البوليساريو الذين جاؤوا من الخارج، أما السكان الأصليون، فقد عاشوا مع إسبانيا لعقود ولم يطالبوا بشيء. لم يكن لديهم ارتباط بأي دولة، لا بإسبانيا، ولا بالمغرب، ولا بموريتانيا. كانوا يعيشون حياة بدوية مكتفية بذاتها، لا تحتاج إلى خدمات الدولة. وبالتالي، لم يكونوا في حالة صراع معها".

وبخصوص استقراره في موريتانيا، رغم تحو ل موقفه السياسي، يوضح ولد سيدي مولود أن وجوده هناك "ليس خيارا بل قسريا"، ويشرح ذلك قائلا:"عندما عدت من المغرب إلى المخيمات، كان هدفي أن أنقل صورة معينة لأهلي هناك. أردت أن أوصل لهم ما رأيته؛ لأن الناس في المغرب يسمّون من في المخيمات "مرتزقة"، وهو وصف أرفضه تماما. هذا مجرد سوء فهم. المغاربة نشأوا في بيئة مدنية، بينما من في المخيمات نشأوا في بيئة صحراوية وقبلية. الاختلاف الثقافي عميق، ولا يُفهم بسهولة".

ويضيف "المجتمع الصحراوي قبل النزاع، وحتى الآن، ما زال قبليا. الإحصاء الإسباني قبل عام 1975 أظهر أن قبيلة الرقيبات شكّلت 52 في المائة من سكان الصحراء. أغلبهم الآن في المخيمات. هذه القبيلة، رغم قلّتها، كانت دائما النخبة في المجتمع الصحراوي. لا يمكن إقصاؤها من أي حل سياسي. وأنا منهم، وأعرف أن التحالف الطبيعي لنا هو مع الملكية المغربية، بحكم الموقع والدور والتاريخ. نحن بمثابة الحزام الجنوبي للمملكة، وضمانة لاستقرارها. إنه تحالف استراتيجي".

وحين سئل عن أسباب عدم عودته إلى المغرب، يجيب بوضوح: "وجودي اضطراري. طُردت من المخيمات، ولا أملك وثائق تسمح لي بالمغادرة. المشكلة الثانية: ماذا سأفعل في المغرب؟ أغلب أهلي ما زالوا في المخيمات. لا يوجد تواصل فعلي معهم. أحاول من هنا أن أوصل لهم رسالة: أن المغرب هو الخيار الواقعي، وأنه لم ولن يتخلى عن الصحراء. بل يمكن التعايش معه بنسبة 200 في المائة. الصورة التي يحملها سكان المخيمات عن المغرب غير صحيحة، وهي مبنية على معلومات قديمة أو مشوهة".

وفي ختام شهادته، يعبر عن أمله في أن تصل رسالته رغم ما تكبده من ثمن شخصي، قائلا "أتمنى ذلك. رغم أنني دفعت ثمنا باهظا، فُصلت عن أبنائي، ولم أتمكن من حضور جنازات والديّ، وتحملت معاناة شخصية وعائلية كبيرة، لكن الهدف أسمى من ألمي. أريد للصحراوي أن يعرف الحقيقة: المغرب هو أقرب حليف له. نعم، حدثت تجاوزات في السبعينيات، ولكنها طُويت. داخل المغرب، حتى من دون حكم ذاتي، تبقى مكانة الصحراوي محفوظة. الهُوية الصحراوية تُعدّ ركيزة من ركائز الدستور المغربي".