ليلة السبت الماضي، كان المغرب على موعد مع انطلاقة تنظيم حدث كروي آخر ضخم، يضاف إلى فصول توجه المملكة نحو تكريس اختيار التسويق والدبلوماسية الناعمة من خلال الرياضة، وهذا حقٌ لوطن يقدم للقارة الإفريقية كل منطلقات إنهاء كونها رقعة جغرافية ثانوية بالعالم، ولا يحتاجها كباره سوى لاستخراج الثروات ونهب الخيرات والتحكم في البشر والحجر.
يمنح المغرب للقارة، منذ سنوات، كما جاء في توجيهات سابقة للملك محمد السادس، شروط انتزاعها للريادة وليس فرضها عليها من أي طرف.. شروط الاستقلالية التامة، وإنهاء التدخل في السيادات الوطنية مهما كان مصدره، دولا أو شركات، حكم مدراؤها مصائر شعوب إفريقيا لسنوات خلف المكاتب الزجاجية بالغرب.
مناسبة هذه المقدمة، خطر تسلل خلايا سرطانية إلى واحد من أجهزة إفريقيا الأكثر تأثيرا على الجمهور. جهاز يذكر الأفارقة، أكثر من غيرهم، أنهم ينتمون إلى نفس القارة، التي تعيش جهاتها الخمس نمطا يشبه الجزر المتباعدة، ثم تعود بهم تظاهراته للوحدة الإفريقية.
هذا الخطر، اسمه تطبيقات الرهان الرياضي غير القانوني وغير المشروع، يتزعمه تطبيق "1xbet"، الذي يأتي على الأخضر واليابس حيث يبدأ في زرع خلاياه السرطانية.
يوم 20 يونيو المنصرم، كشفت صحيفة "Byline Times" البريطانية، في تحقيق استقصائي، عن الوجه الخفي لشركة الرهان غير القانوني "1XBet"، التي تواصل التمدد عالميا رغم حظرها وملاحقتها في عدد من الدول، من بينها المغرب.
وسبق لنا في مجموعة "تيلكيل"، بنسختيها العربية والفرنسية، نشر تحقيقات وملفات تفضح تمدد هذا السرطان، وممارساته التي تشبه تنظيمات العصابات والمافيات العابرة للقارات.
وجاء تحقيق الصحيفة البريطانية ليؤكد عددا من المعطيات التي تطرقنا إليها، إذ وصف الشركة بـ"مجموعة فاغنر للمراهنات"، في إشارة إلى ذراع الكرملين غير الرسمية، بسبب ممارساتها غير القانونية، وارتباطها الغامض بالنظام الروسي، إضافة إلى استراتيجياتها العدوانية في اقتحام الأسواق الإفريقية والآسيوية.
ويستند التحقيق إلى شهادات خبراء ومصادر تنظيمية، كما يكشف كيف أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمر شخصيا بحظر الشركة بعد بداية الحرب الروسية على بلاده في فبراير 2022.
التحقيق ذكر، أيضا، منع تطبيق الشركة مؤخرا في فرنسا، وحظره في الصومال والبرازيل والهند، بالإضافة إلى دول أخرى منعت وجوده من الأصل.
لنعد إلى إفريقيا ونطرح مفارقة عجيبة!
مقر الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم يوجد في العاصمة المصرية القاهرة، جمهورية تمنع، بدورها، تحميل تطبيقات الرهانات الرياضية غير القانونية عبر المتاجر الرقمية الرسمية، ما يفرض على مواطني هذا البلد سلوك أساليب ملتوية للولوج إليه.
في هذا الجانب، جاء في تحقيق صحيفة "Byline Times"، أنه حين بدأ يشتد الخناق على التطبيق في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا، حوّل إبرة بوصلته نحو إفريقيا.
وقال في هذا الصدد: "تركز شركة الرهان غير القانوني (1XBet) اليوم على أسواق إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، مستخدمة شبكة واسعة من المؤثرين والمشاهير، بينهم رياضيون، ومغنون، ونجوم منصات التواصل الاجتماعي، وحتى نجمة الإباحية الروسية إيفا إلفي، للترويج لخدماتها خصوصا بين فئة الشباب".
ويقول أحد مسؤولي تنظيم المراهنات في إفريقيا للصحيفة: "هذه هي أكبر مشكلاتنا.. إنهم موجودون في كل مكان، يفوزون بجوائز، ويظن الناس أنهم قانونيون، بينما هم غير ذلك تماما".
في تونس، فازت إحدى الشركات الدولية لتنظيم المراهنات القانونية بصفقة تدبير القطاع هناك، يقول أحد المسؤولين الذين تحدثت إليهم، قبل أشهر بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، "مرت قرابة أربع سنوات على توقيع الصفقة.. لم يتم تنزيلها، لقد تحول سماسرة هذه التطبيقات إلى تنظيم يشبه الدولة داخل الدولة.. تخيل أن الحكومة أشرت على تفويت تدبير القطاع للفاعل الدولي، ومصالحها لم تفعل التراخيص إلى اليوم بضغط من الواقفين خلف هذه التطبيقات".
الوضع نفسه، تحدث لي عنه صحافي من بلغاريا التقيته على هامش المؤتمر الأخير للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، الذي نظم مؤخرا بالمغرب، قال لي حينها: "محلات هذه التطبيقات أصبحت عندنا أقوى من دور العبادة.. لقد قضوا على الوجه القانوني للمراهنات وسيطروا على البشر، هم من يتحكمون في مئات الآلاف من شبابنا".
كل الشهادات تفضح أن هذه التطبيقات ليس هدفها فقط السيطرة على سوق المراهنات، بل تتجاوز ذلك، إذ تؤكد ممارساتها سعيها وراء انتزاع السيادة من الدول والمجتمعات، من خلال تمدد خلاياها السرطانية.
وآخر ممارسة لهذا الوجه الإجرامي من أوجهها، مرور إشهار لها على قناة مغربية رسمية، يظهر خريطة المغرب بدون صحرائه.
يا لها من شجاعة وقحة أن تمنح لجهاز "الكاف" وصلة إشهارية تمس بسيادة البلد الذي يحتضن نهائيات كأس أمم إفريقيا للسيدات.
هنا وجب طرح السؤال: هل مرت "1xbet" وشقيقاتها عبر جهاز "الكاف" لتفعيل توسيع نشاط خلاياها ضد سيادة الدول؟