دة إيمان الرازي - أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية
من المفارقات السياسية الفجّة في مغرب اليوم أن يكون وزير العدل نفسه في موقع المتهم غير الرسمي أمام الرأي العام، محاطا بتسريبات موثقة، لا تكذّبها الوقائع ولا يسندها سوى خطاب دفاعي مرتبك، يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على الحقيقة.
عبد اللطيف وهبي، الوزير الذي طالما قدّم نفسه حاملا لمشعل الإصلاح وعدالة الكادحين، وجد نفسه محاصرا بأسئلة ثقيلة عن مصدر تمويل عقار خيالي بقيمة أحد عشر مليون درهم، في لحظة تاريخية دقيقة تتآكل فيها ثقة المغاربة في مؤسسات الدولة، وتتوسع فيها هوة الشك بين السلطة والمجتمع. ولأن الواقعة تتعلق برجل العدالة الأول، فإن التساؤل يتجاوز الشخصي إلى السياسي، ويتحول من قضية فردية إلى اختبار عميق لمدى جدية الدولة في محاربة الفساد ومحاسبة كل من ثبت تورطه في استغلال النفوذ أو التهرب من أداء واجبات المواطنة.
الوزير وهبي الذي اختار الظهور في فيديو قصير، مرتبك النبرة، باهت الإقناع، ليرد على ما سماه “حملة تستهدفه شخصيا”، معترفا بامتلاكه العقار، ومُقرا بأنه اقتناه سنة 2020 بواسطة قرض بنكي، لكنه لم يجب على السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف أمكن سداد قرض بهذا الحجم في أربع سنوات فقط؟ وهل فعلا تمت عملية الشراء قبل تقلده المنصب الحكومي، كما يدعي؟ ثم ما سر التصريح المثير بالضريبة على تبرع قُدِّر بمليون درهم فقط، بينما العقار تبلغ قيمته السوقية أكثر من عشرة أضعاف؟ وهل نحن أمام واقعة تلاعب ضريبي صريحة تُستحق فيها المساءلة والمتابعة، أم مجرد خطإ إداري عرضي؟ والأخطر من ذلك كله، كيف يمكن للمواطن البسيط أن يثق بعد اليوم في مؤسسات العدالة، إذا كانت رأس الهرم فيها موضع شبهة؟
إن الذي يطالب به الرأي العام ليس تبريرا فيسبوكيا ولا مرافعة إعلامية مرتعشة، بل فتح تحقيق رسمي من طرف النيابة العامة، يُفضي إلى نتائج معلنة للرأي العام، ويُخضع الوزير كأي مواطن لمنطق القانون. ففي الوقت الذي يُحاكم فيه صغار الموظفين والتجار على تهرب ضريبي بمئات الدراهم، لا يعقل أن يغض البصر عن وزير عدل يتورط في عملية يُشتبه أنها تحايل على خزينة الدولة بملايين الدراهم، عبر تصريحه المخفَّض وغير الواقعي. نحن هنا لا نحاكم النوايا، بل نسائل وقائع موثقة بتواريخ وأرقام، كما جاءت في “تسريبات جبروت”، وهي تسريبات كان حريا بالوزير نفسه أن يطالب بالتحقيق فيها، بدل أن يتعامل معها وكأنها حملة مغرضة، وجب عليه أن يُبادر بنشر الوثائق الداعمة لمزاعمه إن كان حقا يريد إغلاق الملف بالحجة لا بالهروب إلى الأمام.
خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في بعدها المالي أو الضريبي، بل في رمزيتها السياسية، وفي سياقها الاجتماعي الدقيق، حيث تتزايد الهوة بين الشعب وطبقة الحكم، ويُنظر إلى المناصب العليا كقنوات للاغتناء وليس كمواقع خدمة للوطن والمواطن. ولأن وهبي ليس وزير عدل وفقط، لكنه أيضا، أحد أبرز وجوه التحالف الحكومي، وهذا ما يجعل قضيته تختزل مأزقا أوسع للسلطة السياسية اليوم، والتي تفقد يوميا ما تبقى من مشروعيتها الأخلاقية حين تصمت عن مساءلة أحد رموزها في فضيحة من هذا الحجم.
إننا أمام مفارقة مريرة: المواطن البسيط مطالب بالتصريح عن دخل محدود، ودفع ضرائب عالية أحيانا، والخضوع لنظام جبائي صارم، في حين يُسمح لوزير سيادي بتمرير تبرع عقاري ضخم بتصريح لا يعكس القيمة السوقية الحقيقية، ما يعني تقويض مبدأ العدالة الجبائية، الذي يُفترض أن يكون الوزير ذاته أول حماة روحه لا أول ناقضيه. أليس من مهام وزارة العدل أن تحمي منظومة العدالة من العبث والتمييز؟ أم أن منصب الوزير يعلو على منطق الدولة ويستعصي على الرقابة؟
في واقع تتسع فيه رقعة الفقر وتتهاوى فيه الخدمات الاجتماعية ويُطلب فيه من الشعب الصبر والرضا، فإن خبر امتلاك وزير لفيلا بـ11 مليون درهم، وتسديدها بسرعة قياسية، ثم التبرع بها لزوجته بتصريح ضريبي غير معقول، لا يمكن إلا أن يُثير مشاعر الغضب والحقد الطبقي، ويُغذي الشعور باللاعدالة والانفصام المؤسساتي، وهو شعور خطير في لحظة تتطلب أقصى درجات الشفافية والمحاسبة، لا التستر والتواطؤ.
لذلك، فإن الدعوة لفتح تحقيق عاجل ليست مطلبا سياسيا معارضا، بل ضرورة ديمقراطية ومؤسسية، تمسّ جوهر مصداقية الدولة. وعلى رئاسة النيابة العامة، إن كانت فعلا مستقلة، أن تُبادر فوراً بتكليف الفرقة الوطنية للبحث في الموضوع، واستدعاء كافة الأطراف، والتحقيق في مصدر التمويل، وظروف التبرع، ومطابقة المعطيات مع واقع التصريحات الضريبية. فالمغاربة تعبوا من لغة التبرير، ومن التنازلات الممنوحة للمحظوظين، ويريدون دولة قانون حقيقية، لا مسرحية ديمقراطية تزينها البلاغات وتتآكلها الفضائح.
بغير ذلك، سنكون قد بعثنا برسالة خطيرة: إن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء، وإن الفساد محميٌّ ما دام صانعه يجلس في الحكومة. وهذه الرسالة ستكون أكبر إهانة لقيم الدستور، وأقوى دافع لانهيار ما تبقى من ثقة في المؤسسات. أما الوزير وهبي، فإن كان صادقاً في دفاعه، فما عليه إلا أن يطلب من القضاء فتح تحقيق في قضيته، دفاعاً عن سمعته أولا، وعن شرف الوزارة ثانيا، وعن مبدأ العدالة ثالثا، أما الصمت، فهو في حد ذاته إدانة وهروب للأمام ليس إلا.