منيب لـ"تيلكيل عربي" : الحكومة تجاهلت الجوانب الاجتماعية خلال تقديم المؤشرات الاقتصادية

الأمين العامة للحزب الاشتراكي الموحد نبيلة منيب
خديجة عليموسى

انتقدت نبيلة منيب، النائبة البرلمانية والأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد،  تجاهل الحكومة للجوانب الاجتماعية في تقديم المؤشرات الاقتصادية، حيث اعتبرت أن التركيز على التوازنات الماكرو-اقتصادية لا يكفي في ظل تزايد الفقر والفوارق الاجتماعية، جاء ذلك في حديث لها مع "تيلكيل عربي" بمناسبة تقديم وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح عرضا حول تنفيذ ميزانية 2025 والإطار العام لميزانية 2026.

كما أشارت منيب إلى  استمرار ارتفاع  أسعار المحروقات رغم الانخفاض العالمي في أسعار النفط، مشيرة إلى تحكم فاعلين محدودين في القطاع وغياب المنافسة الحقيقية.

 

ما تقييمكم الأولي لمضامين عرض  وزيرة الاقتصاد والمالية، خاصة في ما يتعلق بمؤشرات نمو الاقتصاد الوطني؟

 لا بد من التأكيد على أهمية هذا التقليد المؤسساتي الذي يمتد لسنوات والمتمثل في تقديم قانون المالية السنوي، ثم قانون التصفية، ضمن آجال معقولة، في اجتماع مشترك للجنتي المالية بغرفتي البرلمان، قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية خلاصات تنفيذ قانون مالية 2025، كما استعرضت الإطار العام لمشروع قانون مالية 2026.

من أبرز ما تم التوقف عنده هو التحكم في المديونية، التي لم تتجاوز، حسب المعطيات الرسمية، نسبة 69 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بالإضافة إلى الحفاظ على عجز الميزانية ضمن مستويات مضبوطة، وهذه المؤشرات تعكس، من وجهة نظر الوزيرة، حرص الحكومة على التوازنات الماكرو-اقتصادية.

يمكن القول إن هذه المؤشرات الثلاثة، المتعلقة بالتحكم  في المديونية وضبط العجز، والتحكم في التضخم، تمثل ركيزة أساسية في تقييم السياسات المالية، وهي بالفعل تعزز منسوب الثقة لدى الممولين الدوليين، في وقت أضحت فيه المديونية مفروضة ومشروطة، من أجل الحصول على قروض وتمويل مشاريع وغيرها، هذا جانب مهم، ولكن الأهم هو إيلاء الجانب الاجتماعي نفس القدر من الاهتمام.

إن التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة، ومن ضمنها المندوبية السامية للتخطيط، تكشف عن واقع اجتماعي مثقل بتنامي الفقر واتساع الفوارق المجالية والاجتماعية.  ففي الوقت الذي تطرقت فيه الوزيرة إلى التوازنات الماكروـ اقتصادية لم تتطرق إلى التوازنات الاجتماعية، فبينما نتحدث عن الحماية الاجتماعية، نجد أن عددا كبيرا من المواطنين لا يزال خارج منظومة التغطية الصحية و"أمو التضامن"  بل إن فئات واسعة كانت تستفيد من نظام "راميد" أصبحت اليوم خارج أي نظام.

وفي هذا السياق يطرح السؤال المحوري: لماذا لم تتبن الدولة نظاما شموليا للتغطية الصحية، قائما على تمويل تضامني عادل من خلال الضرائب، بما يضمن استفادة الجميع؟ خاصة وأن أكثر من 87  في المائة من نفقات الدولة في هذا المجال تذهب لصالح القطاع الخاص، على حساب المرفق العمومي.

وماذا عن نظام الدعم المباشر؟

هناك فئة كبيرة من المواطنين لا تصلهم التنمية، ولا يستفيدون بشكل كاف من أثر الدعم المباشر، رغم أن فكرة هذا النوع من الدعم قد تبدو جيدة، إلا أن هذا البرنامج في الأساس توصية من توصيات صندوق النقد الدولي يهدف إلى إسكات الفقراء والمعوزين، لكنه في الواقع  لا يحدث الأثر الاجتماعي المرجو، بل يظل هزيلا ومحدودا في حجمه وأثره ولا يقدم حلا حقيقيا لمعالجة الإشكاليات التي يعاني منها المجتمع.

كما أن نسبة البطالة بلا شك بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ تجاوزت 13 في المائة على الصعيد الوطني، وبلغت حوالي 16.7 في المائة في الوسط الحضري، فيما تفوق في بعض الجهات المهمشة عتبة 20 في المائة، فلا جدوى، إذن، من الحديث عن توازنات اقتصادية كبرى إذا لم تواكبها توازنات اجتماعية وبيئية حقيقية، تنعكس مباشرة على معيش المواطن وكرامته.

هل برأيكم الفرضيات المعتمدة في إعداد الميزانية واقعية؟ فمثلا يتم الحديث عن انخفاض سعر البرميل لكن أسعار المحروقات تظل مرتفعة؟

إن الفرضيات التي يتم وضعها قبل إعداد مشروع قانون الميزانية غالبا ما تكون بعيدة عن الواقع ولا تتحقق، ومنها معدل النمو مع كل الأسف، ويتم الانطلاق من سعر البرميل الذي تقول الوزيرة إنه انخفض على المستوى العالمي، لكن الواقع يكشف خلاف ذلك. فمثلا، بالرغم من الانخفاض المسجل عالميا في أسعار النفط، ما تزال كلفة المحروقات مرتفعة في السوق الوطنية. كيف يعقل أن نبني قانون مالية على فرضية انخفاض سعر البرميل، في حين لا نملك أي هامش للأمن الطاقي بعد إغلاق "لاسامير"، كما أن القطاع يبقى في يد فاعلين محدودين يتحكمون في الاستيراد والتوزيع؟  وقد راكم هؤلاء ثروات هائلة في ظل غياب المنافسة الحقيقية، وهو ما أكدته تقارير مجلس المنافسة، التي رصدت وجود ممارسات احتكارية غير أخلاقية.

وفي ما يتعلق بالفساد، تشير التقديرات إلى أنه يكلف البلاد سنويا 50 مليار درهم. وهذا رقم هائل كان يمكن أن يوظف لتعميم التغطية الصحية أو لتأهيل المدرسة العمومية والمستشفى العمومي. لكننا أمام منظومة اقتصادية تعاني من اختلالات عميقة، تفاقمت نتيجة خيار تحرير القطاعات الاستراتيجية، من طاقة ونقل وخدمات، وهذا خيار سيضعف الدولة عوض تقويتها ونقوم بتفكيك التعليم والصحة وهذا أمر لا يبشر بخير.

ولا يكفي الحديث عن التوازنات الماكروـاقتصادية بالاستناد فقط إلى سعر برميل البترول ومحصول الحبوب وسعر البوتان، بل نحن في حاجة ماسة لوضع أسس اقتصاد وطني منتج مزدوج.

كيف يمكن تحقيق ذلك؟

بمعنى أن هناك قطاعات ينبغي خوصصتها، بينما هناك مجالات يجب أن تظل الدولة تمتلك فيها إمكانيات الاستثمار، مثل الصناعات التحويلية،  ومنها الصناعات المعدنية،  في الوقت الذي نكتشف فيه معادن نادرة وثمينة، ونتحدث عن إمكانات طاقية واعدة في سواحل الداخلة وغيرها، تستعد الدولة لخوصصة المركز الوطني للهيدروكاربورات والمعادن! هذا أمر غير معقول، بل ينم عن خضوع مباشر لتوصيات صندوق النقد الدولي، الذي يدعو إلى خوصصة الموانئ والسكك الحديدية وعدد من القطاعات السيادية.

نحن لا نحتاج إلى دولة بدور منقوص، بل إلى دولة استراتيجية قوية قادرة على التوجيه والاستثمار وحماية الفئات الهشة، باعتبار الاقتصاد طاقة متحولة، ولا يمكن فتح البلاد أمام فاعلين خواص لا تهمهم سوى الأرباح السريعة، ولا يؤمنون بربط المسؤولية بالمحاسبة، أو بقواعد المنافسة الشريفة.

إذن، ما السبيل لتحقيق التوازن الحقيقي؟

التوازن الحقيقي يقتضي بناء اقتصاد وطني منتج، قائم على صناعات تحويلية قوية، وعلى استثمار الدولة في القطاعات الأساسية. كما يقتضي، قبل كل شيء، تصحيح الأولويات: لا يمكن الحديث عن النمو ونحن نغض الطرف عن معاناة  أسر في الحوز لا تزال تعيش في خيام.

لا تنمية بدون مدرسة عمومية ذات جودة، ولا عدالة اجتماعية دون مستشفى عمومي قوي. ولا سيادة وطنية دون محاربة ممنهجة للفساد وتفكيك شبكاته.

إن بناء الديمقراطية الحقيقية، ودولة الحق والقانون، هو التمنيع الحقيقي لبلادنا، وهو الضامن لثقة المواطن في مؤسساته.

ما أبرز الملاحظات المتعلقة بمستوى المديونية الحالية، وما تأثيرها على الاستقرار المالي؟

المديونية تعد من القضايا البارزة التي يتم التعامل معها على المستوى العالمي، حيث تسجل العديد من الدول مستويات عالية من الدين العام. في حالة فرنسا، على سبيل المثال، تتجاوز المديونية 3000 مليار يورو، مما يعكس حجم التحديات المالية التي تواجهها.

في المغرب، بلغت نسبة مديونية الخزينة 69 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تعتبر متحكما فيها لكون ثلاثة أرباع الدين هي دين داخلي، مما يوفر هامشا من التحكم في إدارة هذا الدين.

لكن الأهم من ذلك هو كيفية توجيه هذه الديون نحو القطاعات الإنتاجية الاستراتيجية التي تساهم في خلق الثروة والقيمة المضافة، والتي من الضروري  أن يتم توزيعها بشكل عادل على الجهات والمناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، مع التركيز على القطاعات التي تتطلب تنمية وتطور، لضمان تحقيق نمو اقتصادي شامل ومتوازن.