بقلم: إيمان الرازي؛ أستاذة جامعية وناقدة مغربية
في حياة كل امرأة تسير على درب التأمل، تلك التي انصرفت عن ضجيج الحياة اليومية، عن القشور الباهتة التي يتنازعها العوام، وانكفأت إلى داخلها تبحث عن المعنى وسط الفوضى، ثمة ظلّ لرجل ما، لعزيز يسكن ركنا خفيا في القلب، لا يُجاهر باسمه، ولا يُباح سره.
رجل ليس كباقي الرجال، بل هو مرآة لذاتها المتعبة، وأنيس وحدتها الطويلة، وصدى لكل أحلامها المؤجلة منذ الأزل.
ذلك الركن السري في الذاكرة والوجدان ليس نزوة عابرة ولا حنينا فارغا من محتواه، لأنه ببساطة ملاذ مقدس، معبد صغير تقام فيه الصلوات الصامتة كلما ضاقت بنا الأرض، كلما أرقتنا الحياة بمواعيدها الغابرة وخيباتها المتكررة.
وهو أيضا، وطن بديل، حضن افتراضي لا يراه أحد، ولا يقوى أحد على اقتحامه، لأن عتباته مشيدة من الصمت، وأسواره مرفوعة بالدمع الحار وحنين لا يروى لأي كان.
لسنا نخفيه عن العالم خشية الأحكام المسبقة، أو اتقاءً لألسنة الناس التي تنحدر سريعا إلى القبح، بل نخفيه لأنه ثمين، لأنه أنقى مما يمكن أن يفسر أو يحكى، كما نخفيه لأن النطق باسمه يشبه كسر زجاج النافذة الوحيدة التي نطل منها على دفء القلب وبهاء الحلم. نحن نخبّئه لأنه أقدس ما فينا، لأنه جوهر وجودنا العاطفي، وحارس سريرتنا الطاهرة.
ذاك الحب البكر، لا يشيخ فينا وإن شاخت أجسادنا، لا ينطفئ وإن غمرتنا خيبات الحياة. قد لا يتحقق، وقد لا يأخذ شكل العلاقة التقليدية التي تنتهي بخاتم أو بيت أو عناق طويل وطقس يومي بائس، ولكنه موجود، متأصل في الروح، حي رغم بعده أو استحالته. هو الأمل الذي لا يموت، والنبض الذي لا يخون، فهو الحلم المتوهج في ظلال السكون، والخفقة التي تمنح القلب عزاءه الجميل حين يخذله الجميع.
كم من امرأة تعيش حياتها بنظام دقيق، تؤدي أدوارها كاملة، تتقن واجباتها الأسرية والمهنية، لكنها في كل مساء، حين تخفت الأضواء، تعود إلى نفسها وتغرق في ذكرى ذلك الرجل الذي لم تستطع الأيام أن تنسيها إياه، ذلك الرجل الذي ربما لم تتحدث إليه أبدا، أو كانت له ذات يوم، ثم فرقت بينهما السبل، أو لا يزال بعيدا، يسكن في غيمة رمادية بعيدة لا تمطر.
وهل الحياة إلا سلسلة من الأحلام المؤجلة؟ كل امرأة فينا تحمل داخلها حلمين على الأقل: حلم تحقق وخلّف وراءه ابتسامة رضا، وآخر لا يزال عالقا بين شغاف القلب، يراوغ الزمن، ويستمد بقاءه من عمق الشوق وأصالة الأمل.
بعض الأحلام تولد معنا، وتظل ترافقنا كظل لا يزول، وبعضها ينبت فجأة في غفلة من العمر، في لحظة صفاء نادرة، أو نظرة خاطفة من عيون أحببناها دون إذن أو موعد مسبق.
وإذا ما غاب الحلم، مات الأمل. وإذا انطفأ ذلك الضوء الدفين، تسربت إلينا العتمة، وبدأت أرواحنا تذبل رويدا رويدا، فالنساء لا يمتن من التعب أو الخذلان، إنما يمتن حين يفقدن الحلم، حين لا يعود في القلب شيء يستحق الانتظار. لذلك، حين نسير في الأسواق، أو نركب المواصلات العامة، أو نجلس في مقاهٍ تملأها الضوضاء، نبدو مثل باقي الناس، لكننا في العمق، نحمل سرا هائلا لا يراه أحد. سرا نعيش من أجله ونرتب أيامنا على إيقاعه الصامت.
في أول أغسطس، شهر البدايات الجسورة والنهايات النبيلة، تنبثق من الذاكرة تلك الخربشات التي نخطها بأطراف القلب لا بأنامل اليد. نتذكر أول نظرة، أول ابتسامة، أول غصة فرح لم نعرف كيف نصفها، نتذكر تفاصيل صغيرة تستعصي على النسيان. أغسطس، حين تستوي الشمس في عزها، وتغمر الأرض بحرارتها اللاهبة، يشبه تماما تلك اللحظة التي يتوهج فيها الحب في دواخلنا ويكشف عن حقيقته المتوارية: لا يذبل، لا يشيخ، لا يموت.
هو الحب الذي لم نمنحه لأحد سواه، حتى وإن تظاهرنا بالعكس. هو ذاك الرجل الذي اختصرنا فيه العالم، فصار العالم لا يسع غيره. هو الاسم الذي لا نكتبه، والصورة التي نخبّئها في أعماقنا، والرسالة التي لم نبعثها، والخطوة التي لم نخطها، هو الحب الذي يجعلنا أقوى في الظاهر، وأشد هشاشة في العمق.
ليس في الأمر شفقة ولا ضعف، بل هو امتياز أن نحمل في قلوبنا حبا لا يعرفه سوانا، حبا نقيا لا تلوثه التفاصيل اليومية، ولا تهزمه تقلبات الواقع. حبا صافيا لا ينتظر مقابلا، ولا يسعى إلى اعتراف. حبًا نحيا به، لا منه.
في حياة كل واحدة منا، ثمة حب كهذا. حب سري يشبه صلاة اليتيم، وحنين الأرملة، وهمس الحالم. حب نغديه بالأمل، ونرويه بذكريات بعيدة، ونخفيه عن الجميع لأنه نحن، لأنه هو... لأنه ببساطة، كل الحياة.