بعد أكثر من عقدين على إدماجها في المنظومة التعليمية و14 عاما على ترسيمها الدستوري، لا تزال اللغة الأمازيغية تعاني من "حصار فعلي" داخل المدارس المغربية، حيث لا تتجاوز نسبة تغطيتها 5% من المدارس الابتدائية، دراسة أكاديمية حديثة لا تعتبر هذا الواقع مجرد تباطؤ، بل تصفه بأنه نتيجة "لفجوة واسعة بين السياسات اللغوية وتطبيقها الفعلي"، كاشفة عن سلسلة من الإخفاقات التنظيمية واللوجستية والتربوية التي أبقت اللغة "رسمية على الورق فقط".
وحملت الدراسة، التي نشرت في "مجلة الدراسات التطبيقية للغة والثقافة" (Journal of Applied Language and Culture Studies) في عددها الثاني لعام 2025 ، عنوان "?Enacting the official character of Amazigh language in Morocco: Myth or reality" (تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في المغرب: أسطورة أم حقيقة؟).
وأعدها الباحثان عبد الرزاق إيشو وسعيد فتحي، من مختبر اللغات والآداب والترجمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث استندا إلى مقابلات مع معلمين في الميدان لتشريح الأعطاب التي حولت مشروعا وطنيا واعدا إلى مسار متعثر، وتكشف كيف أن المشاكل تتجاوز نقص الموارد لتصل إلى صميم الإطار القانوني والصور النمطية المجتمعية.
أساتذة في فراغ قانوني
تحدد الدراسة أن أحد أكبر العوائق هو الفوضى التنظيمية، فمنذ عام 2008، لم تصدر وزارة التربية الوطنية أي مذكرة وزارية جديدة لتحديد الوضعية القانونية لأساتذة اللغة الأمازيغية. هذا الفراغ القانوني الطويل جعل الأساتذة "ضحايا للارتجال"، حيث يجبرون على العمل لمدة 30 ساعة أسبوعيا، بالمخالفة لوضعهم كأساتذة متخصصين لا يجب أن تتجاوز ساعات عملهم 24 ساعة.
وتضيف الدراسة بعدا آخر للصراع المؤسسي، مشيرة إلى أن دور المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) يظل محدودا جدا ولا يتجاوز تقديم مقترحات المناهج، في المقابل، تظل السلطة الحقيقية في التوظيف والتكوين والتسيير في يد "الآلة البيروقراطية لوزارة التربية الوطنية"، مما أثر سلبا على جودة تدريس اللغة في المدارس.
لغة رسمية بموارد مهمشة
على الصعيد اللوجستي، ترصد الدراسة واقعا صادما يعكس تهميش المادة الدراسية، فالأساتذة يؤكدون عدم وجود قاعات دراسية مخصصة لتدريس الأمازيغية، مما يضطرهم للتنقل المستمر بين الفصول، وهو ما "يقلل من قيمة اللغة" في نظر التلاميذ ويهدر وقتا ثمينا من الحصة.
واعتبر المصدر ذاته، رقم الـ 5% الحالي صادما بشكل خاص عند مقارنته ببدايات المشروع، حيث انطلق تدريس اللغة في 317 مدرسة ابتدائية عام 2003، مع هدف معلن آنذاك بتعميمها على كافة مدارس المملكة بحلول عام 2010.
والأمر الأكثر دلالة على هذا التهميش هو ما وصفته الدراسة بـ"الفعل التمييزي" المتمثل في كون اللغة الأمازيغية هي المادة الدراسية الوحيدة المستبعدة من مبادرة "مليون محفظة".
بحسب الدراسة، هذا الإقصاء لا يحرم التلاميذ من الكتب المدرسية اللازمة فحسب، بل يرسل رسالة سلبية حول مكانة اللغة داخل المنظومة، يضاف إلى ذلك النقص الحاد في عدد المعلمين، حيث لا يتجاوز عددهم 5,000 أستاذ، بينما يتطلب التعميم الكامل توفير 20,000 أستاذ.
معركة العقول
وسجلت الدراسة أن الفشل لا يقتصر على الجوانب المادية والتنظيمية، بل يمتد إلى "غياب التخطيط المصغر في تصميم السياسات"، فقد تم تجاهل أحد أخطر التحديات، وهو "التمثلات والمعتقدات والمواقف السلبية تجاه اللغة الأمازيغية".
هذه الصورة السلبية، المنتشرة من المنزل إلى المدرسة وحتى على مستوى صنع القرار، تشكل عائقا حقيقيا أمام نجاح أي سياسة لغوية. وتشير الدراسة إلى أنه "لكي تنجح أي سياسة، يجب أن تتغير معتقدات وممارسات الناس أولا".
وأكدت الدراسة أن الأهداف المعلنة على المستوى الكلي تبقى "مجرد كلام معسول" بعيدة كل البعد عن معالجة التحديات الحقيقية ، وتوصي بضرورة اعتماد نموذج جديد للتخطيط يدمج بين المستويين الكلي والمصغر، ويشرك جميع الفاعلين لردم الهوة بين ما يعلن وما ينفذ.