في كشف علمي هو الأول من نوعه في المغرب، توصلت دراسة دولية معمقة إلى وجود روابط جينية مباشرة ومقلقة بين سلالات بكتيريا السل البقري المنتشرة لدى الماشية في المغرب وسلالات أخرى في عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك سلالات تم عزلها من مرضى بشريين، مما يسلط الضوء على طرق انتقال العدوى عبر الحدود ويدق ناقوس الخطر حول تهديدات الصحة العامة والاقتصاد.
الدراسة، التي تحمل عنوان "التحليل الوراثي العرقي لبكتيريا Mycobacterium bovis يكشف عن انتشار السل الحيواني والحيواني المصدر بين المغرب والدول الأوروبية" (Phylogenetic analysis of Mycobacterium bovis reveals animal and zoonotic tuberculosis spread between Morocco and European countries) ، نشرت بتاريخ 18 فبراير 2025 في المجلة العلمية الدولية المرموقة PLOS Neglected Tropical Diseases، يتوفر "تيلكيل عربي" على نُسخة منها.
أجري هذا البحث بتعاون فريق دولي من الباحثين والخبراء من مؤسسات أكاديمية وحكومية رائدة، بقيادة المؤلفة الرئيسية هند يحياوي عزمي من قسم الأمراض المعدية بجامعة جورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وشارك في الدراسة باحثون مغاربة هم محمد بوسليخان وجواد برادة من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، وحميد أبو حسيب من كلية شعيب الدكالي بالجديدة.
وضم الفريق خبراء من مختبرات الخدمات البيطرية الوطنية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، بالإضافة إلى باحثين من جامعات في إسبانيا والبرتغال.
استخدمت الدراسة تقنية متطورة وعالية الدقة تعرف بـ "التسلسل الجيني الكامل (WGS)" لتحليل الحمض النووي لـ 55 عينة من بكتيريا السل البقري، وجرى جمع هذه العينات على فترات مختلفة من مجازر في الرباط (خلال مارس وأبريل 2015)، والجديدة (بين يونيو 2014 ويوليوز 2015) ، ووجدة.
وكانت معظم الماشية التي أُخذت منها العينات من سلالات هجينة (36 عينة)، مع عدد قليل من السلالات المستوردة مثل هولشتاين (6 عينات).
وأظهر التحليل وجود "علاقة وراثية وثيقة" بين بكتيريا السل المعزولة من الأبقار في المغرب وسلالات أخرى لدى الأبقار في إسبانيا (بمسافة جينية تبلغ 30 نقطة اختلاف "SNP" أو أكثر) وفرنسا (50 نقطة "SNP" أو أكثر) والبرتغال وألمانيا.
وتشير هذه النتائج بقوة إلى أن تجارة الحيوانات واستيراد الماشية من هذه الدول الأوروبية إلى المغرب قد يكون عاملا رئيسيا في إدخال ونشر هذه السلالات البكتيرية.
ولعل من أكثر النتائج إثارة للقلق، هو كشف الدراسة عن تشابه جيني كبير بين سلالات البكتيريا لدى الأبقار المغربية وسلالات أخرى تم عزلها من مرضى بشريين مصابين بالسل في إيطاليا (بمسافة جينية قريبة تبلغ 16 نقطة "SNP" أو أكثر) وألمانيا (20 نقطة "SNP" أو أكثر) والمملكة المتحدة.
ويفسر الباحثون هذه الصلة بالهجرة البشرية التاريخية والمستمرة من المغرب إلى أوروبا، والتي قد تلعب دوراً في نقل هذه السلالات البكتيرية المسببة للمرض.
وتؤكد الدراسة أن العبء الصحي للسل البقري على البشر غالباً ما يتم التقليل من شأنه عالميا، مشيرة إلى أن العدوى تنتقل بشكل أساسي عبر استهلاك الحليب غير المبستر ومنتجاته، وبشكل ثانوي عبر استنشاق الرذاذ من خلال الاتصال المباشر مع الماشية المصابة في المزارع.
وفي السياق المغربي تحديداً، أوضحت الدراسة أن السل البشري حيواني المصدر لم يتم التحقيق فيه بشكل كاف، لكنها شددت على أن هناك "احتمالية لوجود خطر كبير لانتقال العدوى إلى البشر".
ويعود هذا الخطر إلى عوامل مجتمعة، أهمها الانتشار المرتفع للمرض بين الأبقار، والاتصال الوثيق بين المربين ومواشيهم، وغياب سياسة رسمية تفرض بسترة الحليب على نطاق واسع.
ولهذا، دعت الدراسة إلى ضرورة إجراء بحوث مستقبلية في المغرب ترتكز على نهج "الصحة الواحدة"، وتشمل جمع وتحليل عينات من حالات السل البشري إلى جانب عينات الماشية والحيوانات البرية، بهدف تحديد العبء الحقيقي للمرض وفهم طرق انتقاله بشكل متكامل.
إضافة إلى ذلك، تمكنت الدراسة لأول مرة من تحديد نوعين جديدين من بصمات البكتيريا الجينية (spoligotypes) في المغرب لم يكونا معروفين من قبل، وحصلا على رموز دولية هي SB2545 و SB2785، وكانت السلالات الأكثر انتشاراً في العينات هي SB0121 و SB0265 و SB0120.
وأكدت النتائج أن السلالات المغربية تنتمي إلى المجموعات الجينية الأوروبية (EU1 و EU2) وليس المجموعات الإفريقية، وهو ما يدعم فرضية أن الصحراء الكبرى تعمل كحاجز جغرافي يحد من انتشار المرض بين شمال إفريقيا ودول جنوب الصحراء.
تكتسب هذه الدراسة أهمية قصوى في السياق المغربي، حيث يعتبر السل البقري مرضا مستوطنا ويمثل عبئا اقتصاديا كبيرا، وكانت دراسة تجريبية سابقة قد أظهرت أن نسبة انتشاره الفردي تصل إلى 20.4% ونسبة انتشاره في القطعان إلى 57.7% في أحد المناطق.
وتواجه جهود المكافحة تحديات كبيرة، أبرزها أن سياسة "الاختبار والذبح" الرسمية للمواشي المصابة غير إلزامية في المغرب بسبب تكلفتها المرتفعة، كما أن الاختبارات الحالية (الاختبار الجلدي) ليست مثالية بسبب حساسيتها المنخفضة التي قد لا تكشف عن كل الحيوانات المصابة.
ويضاف إلى ذلك غياب نظام فعال لتتبع حركة الماشية داخل البلاد، وهو التحدي الذي تفاقم بعد أن توقفت جهود إطلاق حملة لترقيم الماشية بسبب جائحة كوفيد-19.
بناء على هذه النتائج، يختتم الباحثون دراستهم بدعوة واضحة للسلطات المعنية لتبني استراتيجيات أكثر فعالية، وتشمل التوصيات تطوير وتطبيق نظام وطني لتتبع حركة الماشية بشكل دقيق، وتعزيز طرق التشخيص باستخدام اختبارات أكثر حساسية (مثل اختبار IFN gamma) إلى جانب تقنية التسلسل الجيني لتحديد بؤر انتقال العدوى ومصادرها.
وشددت الدراسة على ضرورة تطبيق نهج شامل يعرف بـ"الصحة الواحدة" (One Health)، والذي يتطلب التحقيق في انتشار المرض ليس فقط في الأبقار، بل أيضا لدى البشر والمخازن الحيوانية الأخرى مثل الخنازير البرية التي ثبتت إصابتها بالمرض سابقا في المغرب، وذلك لفهم دورة المرض بشكل متكامل ووضع استراتيجيات مكافحة ناجحة.