ما بعد فاجعة الحوز.. دراسة: 75 في المائة من سكان جهة الرباط قلقون من الزلازل

صورة من زلزال الحوز - محمد فرنان
محمد فرنان

كشفت دراسة علمية حديثة أن ما يقرب من نصف سكان جهة الرباط يعتقدون أنهم يعيشون في مناطق معرضة للكوارث الطبيعية، لكن الغالبية العظمى منهم، بنسبة تتجاوز 62 في المائة، ليست على دراية بالبرامج التوعوية أو السياسات العامة التي وضعتها الدولة لإدارة هذه المخاطر.

هذه الفجوة المقلقة بين إدراك الخطر والوعي بالحلول المتاحة تسلط الضوء على تحديات كبيرة في مجال التواصل وبناء المرونة المجتمعية في المدن، وتؤكد على ضرورة مواءمة الاستراتيجيات الوطنية مع تصورات المواطنين.

حملت الدراسة عنوان "إدارة مخاطر الكوارث في المدن المغربية: التصورات والتأهب مع رؤى من جهة الرباط"، وهو ترجمة لعنوانها الأصلي باللغة الإنجليزية: "Managing Disaster Risks in Moroccan Cities: Perceptions and Preparedness with Insights from the Rabat Region"، يتوفر "تيلكيل عربي" على نُسخة منها.

نشرت هذه الدراسة في "المجلة الدولية للحد من مخاطر الكوارث" (International Journal of Disaster Risk Reduction)، وهي من المجلات الرائدة عالميا في هذا المجال، بعد قبولها للنشر في 31 يوليوز 2025.

وقاد هذا البحث فريق دولي موسع، من المعهد العلمي بجامعة محمد الخامس بالرباط، شارك كل من الباحث الرئيسي محمد مستاري، رميساء أزكيت، سفيان مكوار، إبراهيم أوشن، وأنس الوالي. ومن المتعاونين الدوليين، شاركت دانييل نيل ساندرز من كلية الإدارة العامة والحوكمة بجامعة جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا، وباولا فونتانيلا بيزا من معهد البيئة والأمن البشري بجامعة الأمم المتحدة في إيطاليا.

استندت الدراسة، التي أجريت بين شهري مارس وماي 2024، إلى استبيان منظم شمل عينة من 418 شخصا من البالغين في منطقة الرباط.

تميزت العينة بكونها شابة نسبيا، حيث كان 51.8 في المائة من المشاركين في الفئة العمرية 18-29 عاما، مع غلبة للإناث (57.3 في المائة). كما تميزت بمستوى تعليمي مرتفع، حيث إن 50.2 في المائة من المشاركين حاصلون على شهادة جامعية (إجازة).

أظهرت النتائج أن أكبر المخاطر الطبيعية التي تقلق السكان هي الزلازل (75.5 في المائة)، تليها درجات الحرارة القصوى (68.5 في المائة)، ثم الجفاف وحرائق الغابات (بنسبة 67.6 في المائة لكل منهما)، وأخيرا الفيضانات (56.3 في المائة).

وأشارت الدراسة بشكل خاص إلى زلزال الحوز كدليل حديث على المخاطر الكبيرة التي تواجه المغرب.

وذكرت الدراسة أن هذا الزلزال، الذي وقع ليل 8 شتنبر 2023 بقوة 6.8 درجة، كان "الأكثر تدميرا منذ عقود".

لقد تسبب الزلزال في دمار هائل، حيث دمر مناطق بأكملها وألحق الأذى بالعائلات في منازلها، هذا الحدث المأساوي، الذي وقع قبل أشهر قليلة فقط من إجراء استبيان الدراسة (مارس - ماي 2024)، شكل خلفية واقعية ومؤثرة لفهم تصورات المشاركين للمخاطر.

استخدم الباحثون هذا الزلزال لتوضيح أن الخطر في المغرب لا ينبع فقط من الظواهر الطبيعية، بل أيضا من مدى ضعف السكان والبنية التحتية.

 ومن المرجح أن تكون ذكرى زلزال الحوز القريبة هي التي ساهمت في تصدر الزلازل قائمة المخاطر التي تقلق سكان الرباط، حيث عبر 75.5 في المائة منهم عن قلقهم من هذا الخطر.

ومع ذلك، تبرز نتائج الدراسة المفارقة المتمثلة في أن هذا المستوى العالي من إدراك الخطر لم يقابله وعي كاف بخطط التأهب والاستجابة الرسمية، مما يؤكد على أهمية تحويل الوعي بالخطر إلى استعداد عملي.

الفجوة المعرفية كانت النتيجة الأبرز في الدراسة؛ فعلى الرغم من أن 49.4 في المائة من المشاركين أقروا بأنهم يعيشون في منطقة معرضة للخطر، إلا أن 62.1 في المائة منهم أجابوا بـ"لا" عند سؤالهم عما إذا كانوا على علم بأي برامج توعوية أو سياسات عامة لإدارة المخاطر، مثل "الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية 2020-2030".

فقط 25.4 في المائة من المشاركين كانوا على دراية بهذه السياسات، مما يشير إلى ضعف في قنوات التواصل بين الجهات الرسمية والمواطنين.

وفي ما يتعلق بمصادر المعلومات حول الكوارث، كشفت الدراسة أن وسائل الإعلام التقليدية لا تزال مصدرا مهما (24.4%)، لكن فئة "مصادر أخرى"، التي تشمل بشكل كبير وسائل التواصل الاجتماعي، كانت المصدر الأبرز للمعلومات بنسبة 44 في المائة.

وفي المقابل، كان الاعتماد على الأسرة والأقارب كمصدر للمعلومات هو الأقل، بنسبة 3.3 في المائة فقط.

أظهر التحليل الإحصائي أن المشاركة في برامج التوعية ترفع من احتمالية إدراك المخاطر بنسبة هائلة تصل إلى 144.7 في المائة.

وبينت الدراسة أن عوامل ديموغرافية، مثل الجنس والوظيفة ومدة الإقامة في المنطقة، تؤثر بشكل كبير على مدى الاستعداد والتأهب لمواجهة الكوارث.

على سبيل المثال، كان لجنس المشارك تأثير كبير على الاستعداد لتمارين الإخلاء، بينما ارتبطت الوظيفة بمدى الثقة في فعالية استجابة الطوارئ.

توصي الدراسة بضرورة تطوير برامج توعية موجهة تستهدف فئات محددة، مع الأخذ في الاعتبار الفوارق بين الجنسين، وتحسين استراتيجيات التواصل لتشمل المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر فاعلية.

وشددت على أهمية إشراك المجتمعات المحلية في بناء خطط الطوارئ لردم الفجوة بين السياسات الحكومية وواقع المواطنين، مما يعزز الثقة والقدرة على الصمود في مواجهة الكوارث المستقبلية