بقلم: دة. إيمان الرازي أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية
يثبت المغرب مرة أخرى، وككل مرة، أنه لا يتعامل مع القضية الفلسطينية من باب الدعاية الإعلامية ولا من باب المزايدة السياسية، لكنه يتفاعل معها من موقع الإيمان العميق بأنها قضية إنسانية عادلة.
ونستحضر في هذا السياق، القرار الملكي السامي والأخير بإرسال مساعدات إنسانية إضافية إلى أهالي غزة، ليمثل تجسيدا حقيقيا لهذا الالتزام التاريخي، لجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، ككل مرة، وفي كل أزمة تهب رياحها على المنطقة، يترجم التضامن إلى فعل ملموس، والذي يتمثل في 100 طن إضافية من المواد الغذائية والأدوية الموجهة خصيصا للفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال والرضع.
هذه المبادرة الإنسانية التي تأتي في سياق تراكمي من الدعم المستمر، والذي يجسد العلاقة الروحية والسياسية العميقة التي تربط المغرب بفلسطين. ففي وقت يختبئ فيه الكثيرون وراء الصمت أو التواطؤ، يعلن المغرب موقفه بوضوح: فلسطين ليست قضية للتخلي، وغزة ليست لوحدها في مواجهة الموت المحقق.
إن المساعدات المغربية التي حرص جلالة الملك محمد السادس على أن تصل مباشرة وبشكل عاجل إلى المستفيدين، تؤكد ككل مرة، البعد الإنساني الذي يطبع سياسة المغرب تجاه الشعب الفلسطيني، فغزة اليوم تعيش جحيما لا يطاق، بفعل العدوان المتواصل والحصار الخانق، حيث تحولت المستشفيات إلى مقابر، والمدارس إلى ملاجئ مدمرة، والأطفال إلى شهداء منهم من دفن ومنهم من يرقد تحت الركام دون قبر.
وفي خضم هذا المشهد الكافكاوي، يأتي موقف المغرب ليعيد بعض الأمل في أن هناك من لا يزال يقف إلى جانب الإنسان، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمناورات الإقليمية والحسابات السياسية الضيقة، وهنا تتجلى المفارقة الصارخة بين موقف المغرب الأصيل، ومواقف بعض الأنظمة التي تخلت عن دعمها لفلسطين تحت ذرائع واهية، تاركة الشعب الفلسطيني لمصيره المأساوي، أما المغرب، فقد أثبت أنه رغم كل الضغوط، لا يزال يعتبر دعم المدنيين الفلسطينيين عنوانا للكرامة العربية وامتحانا للأخلاق الإنسانية.
ولأن المواقف العظيمة لا تمر دون أن تثير حقد الحاقدين، فقد انبرت بعض الأصوات المأجورة لتشويه صورة المغرب والتقليل من قيمة مبادراته. هؤلاء الذين يرفعون عقيرتهم بالباطل، والذين نسوا أن التاريخ لا يُكتب بالدعاية الفارغة بل بالأفعال الملموسة على الأرض، لأن المغرب لم يرفع شعار "مع فلسطين ظالمة أو مظلومة" ليتاجر به، بل عاش هذا الشعار واقعا عبر مواقفه العملية، منذ أن كانت القدس تحت التهديد المباشر، إلى أن صارت غزة مسرحا لأبشع الجرائم الدموية. ومن يظن أن بعض محاولات التشويه ستغير هذه الحقيقة، فإنه يجهل عمق التاريخ المشترك، ويستخف بذاكرة شعب لم تنل منه لا المؤامرات ولا الضغوط في يوم ما.
إن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم في غزة ليس مجرد أزمة عابرة كجل الأزمات الفارطة، وإنما محاولة ممنهجة لإبادة شعب أعزل، وسط صمت دولي مخزٍ أمام سياسة الأرض المحروقة، حيث تقتل النساء والأطفال والشيوخ بلا رحمة، وتهدم البيوت على ساكنيها، وتقصف المستشفيات والمساجد، أمام أعين العالم الذي اختل ميزانه، حين يصبح الجلاد ضحية والضحية جلاداً. لكن وسط هذا الظلام، أبى المغرب إلا أن يطل بموقف إنساني نبيل يذكر العالم بأسره بأن العدالة لا تموت أمام منطق القوة، وهنا تأتي المبادرة الملكية الأخيرة باعتبارها ليست فقط شحنة غذاء ودواء ، لكن كرسالة سياسية واضحة المعالم: المغرب، ملكاً وشعباً، يرفض قتل المدنيين والحصار الخانق عليهم، ويتمسك بخيار الدعم العملي لفلسطين بدل المزايدة أو الحياد السلبي.
ولا يمكن الحديث عن هذه المبادرة دون استحضار البعد الرمزي لكون جلالة الملك محمد السادس رئيسا للجنة القدس، وهو الموقع الذي يعكس ثقة العالم الإسلامي في المغرب وقدرته على الدفاع عن القدس الشريف. فمنذ عقود، عملت لجنة القدس على مواجهة سياسات التهويد والاستيطان، والمغرب لم يتردد يوما بتاتا في تسخير إمكانياته لخدمة هذه المهمة. واليوم، حين يوجه جلالة الملك توجيهاته السامية بإرسال مساعدات عاجلة لغزة، فهو يعيد تفعيل هذا الدور القيادي في وقت أحوج ما يكون فيه الفلسطينيون إلى الدعم الحقيقي. ولعل هذا ما يفسر حملات الحقد التي يشنها البعض ضد المغرب: لأنهم يدركون أن مواقف الرباط تفضح خيانتهم وتكشف عجزهم.
المغرب اليوم بهذه المواقف الإنسانية المترجمة للتضامن الفعلي مع الشعوب المقهورة، يجسد ذلك في مشاريع ملموسة، من مستشفى القدس الميداني إلى برامج الدعم المباشر للأسر الفلسطينية، مروراً بالمبادرات الدبلوماسية التي حرصت على إبقاء القضية حاضرة لديه في المحافل الدولية. فهذه الأفعال لا يمكن مقارنتها بالشعارات الجوفاء التي يرفعها البعض لتغطية تخاذلهم لأن التاريخ لن يرحم المتاجرين بالقضية، لكنه سيذكر الذين دعموا فلسطين بالعمل الدؤوب لا بالشعارات الواهية. وهنا يكمن الفارق بين المغرب وبين من يختبئون وراء المزايدات العقيمة: فالمغرب لا يحتاج لشهادة أحد ليؤكد التزامه، بل يكفي أن ينظر المرء إلى ما يصل غزة من مساعدات تحمل ختم المملكة المغربية ليعرف أين يقف الحق وأين يقف الباطل، خاصة أن المغرب ظل وفيا لخط الدفاع الأخلاقي عن قضية إنسانية صرفة. ومن هنا نفهم لماذا يشتد حقد الحاقدين: لأنهم يرون في المغرب مرآة تعكس خيانتهم وصمتهم المريب وتخليهم عن الإنسان.
إن المبادرة الملكية السامية بإرسال 100 طن من المساعدات الإنسانية إلى غزة ليست مجرد خبر عابر في وكالة أنباء عابرة، لكنها ترقى إلى فعل سياسي وإنساني بليغ. إنها تعبير عن انشغال ملك بآلام شعب تحت القصف، وعن التزام دولة بقضية عادلة. وسيبقى المغرب، رغم أنف الحاقدين، في الصفوف الأمامية للدفاع عن الحق الفلسطيني. ومن لا يروق له هذا الموقف، فليبتلع حقده، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، لكنه يكرم من اختاروا أن يكونوا على الجانب الصحيح من القضية، ومع الإنسان دائما وأبدا.