يا لها من أيام رتيبة تلك التي نشاهدها جاثمة على دنيا الناس كضيف ثقيل ننتظر متى يحين موعد ذهابه، هي أيام تتكرر تباعا والناس من حولها يتناوبون جيلا بعد جيل، ويتبادلون الأدوار جيلا وراء جيل... يتحاورون فيما بينهم.. يتبادلون التهاني والزيارات.. يفرحون على قدر ما يرونه مفرحا، ويحزنون على ما اتفق بأنه أمر محزن.. يتفقون على المسموح والمرغوب والمذموم والمكروه... يُظهرون هذا الذي يجب أن يظهر، لكن الغريب في الأمر أن ما يخفيه الواحد منهم هو نفس ما يخفيه الآخرون.. روتينهم من كثرة تكراره بات جزءا لا يتجزأ من عندياتهم، لم يعودوا ملزمين به إن صح القول، فقد أضحى جبلتهم وطبعهم بعدما كان إلى عهد قريب مجرد تطبع مرتبط بنفر قليل من الناس.
ما هي مناسبة هذا الكلام الذي يبدو للوهلة الأولى وصفا أدبيا لحال الناس وأحوالهم؟ الجواب سنجده في وصف آخر لا يقل عنه أهمية، كي نستخرج منه الغاية الفلسفية التي تعتبر مربط فرس مقال هذا الأسبوع. إليكم الوصف:
يوم الاثنين: tu es triste comme un lundi ماذا لو ذهبنا إلى شخص عاش حقبة ـ ما سميت عليها عنوة ـ الثورة الصناعية، ثم خاطبناه بهذه العبارة؟!الظاهر أنه لن يفهم القصد مهما شرحنا له، للإشارة: كانت الأيام متشابهة لا يتم تمييزها سوى بشبات أو السبت في اليهودية، ويوم القداس أي الأحد في المسيحية، ثم يوم الجمعة في الإسلام. أما عندما باتت الصناعة بعدئذ أهم نشاط يقوم به إنسان الأزمنة الحديثة، حينها بتنا نعد الأيام ولكل يوم رمزيته، بدءا بالاثنين: يوم التعاسة صباحا بالنسبة للمتوجهين للعمل أو القاصدين مدارسهم. سوء طالع المسكين أنه جاء بعد الأحد مباشرة والذي سيأخذ بعدها اسما جديدا ألا وهو عطلة نهاية الأسبوع. الموظف أو الطالب لا يشعران بثقل الاثنين حينما يكونان في إجازة أو عطلة، لا يهمهم من الأيام أي شيء، أما إذا سألت أغلبهم عن اليوم الذي نحن فيه، فإنه سيصمت كثيرا كي يجيبك بما أنه لم يعد ثمة لديه أي فرق بين الأيام، اللهم الذي يحمل رمزيته الدينية فقط. لم يعد الاثنين صباحا مجرد يوم كباقي الأيام، بقدر ما بات علامة مسجلة تُذكر جيوش المتوجهين للعمل والمدارس أنه تم الإعلان الضمني على بداية الأسبوع. فما الذي ستُحدثه مثلا عبارة: بداية أسبوع موفقة لشخص مستيقظ لتوه، متكاسلا متمنيا في قرارة نفسه لو طال ليله أكثر؟! الظاهر أنه قد كان مرتاح البال قبل يومين وأذنه تلتقط عبارة: عطلة نهاية أسبوع موفقة.
ماذا عن الجمعة؟ إنها بداية العد العكسي لنهاية الأسبوع والاستعداد للانقضاض على يومي السبت والأحد. لو طلبت من أغلب الذين يتوجهون للعمل أو المدرسة عقد مقارنة منصفة بين يومي السبت والأحد من جهة وباقي الأيام من جهة أخرى، فسيقوقون لك أن أيام العمل تسير ببطء مقارنة بعطلة نهاية الأسبوع!
الرأسمالية قوة لا تبقي ولا تذر، تأكل عمر أبنائها بنهم وشراهة مثلما كان كرونوس يبتلع أبناءه. تستبيح استغلالهم ثم تستفيد من انتقادات الاشتراكية عدوها اللدود، فتتحول الرأسمالية إلى اشتراكية حينما تتحدث باسم الجانب الاجتماعي التضامني ومن أجله، لتنتبه إلى ما أغفلته كي تصلحه، ولم لا كي تستفيد منه كذلك. لقد جعلت العمل عقيدة كل فرد يحاول بواسطته التحسين من دخل عيشه، ثم أغوته وأغرته بكذبة الامتيازات والمكافآت جراء الإخلاص لعمله، جاعلة منه آلة يتم التخلص منها حينما تصبح عبارة عن خردة لا تصلح لأي شيء. ثم ستوهمه بالتقاعد الذي ليس سوى مجموع الاقتطاعات التي تنالها من المستخدمين الحاليين في لعبة تبادل لا حصر لها.
الرأسمالية مهووسة بالاستهلاك إلى حدود لا حصر لها، وبهذا الهوس فإنها تخلق من الشيء الزائد قيمة لا بد منها، وتجعل من الرغبة حاجة ملحة ما إن تتحقق حتى تتطلع إلى شيء آخر دون توقف يُذكر. توهم ضحاياها بأن عطلة نهاية الأسبوع مقرونة بالتسوق والتبضع ومشاهدة مباريات كرة القدم والاستجمام وتكسير الروتين، فيحصل أن تستفيد من الناحية المادية أكثر، وأما القاعدة فإنها تقول: ستعيد إليّ المال التي منحته لك، كي أعيده إليك مرة أخرى فتعيده إلي، بينما أستفيد منك، من جهدك ومن حريتك على طول الدهر في الإنتاج!
الرأسمالية إطار تمكن من تدجين الفرد وتحويل الكل إلى قطيع لا راعي له، قطيع يطلب العبودية ويسعى إليها عن طيب خاطر، لا يحب الانعتاق منها وليس مستعدا لذلك، كل ما يهمه الحصول على وظيفة تُسعده للوهلة الأولى ثم تتحول لديه إلى كابوس يلعنها كلما حلّ يوم الاثنين، لكنه ليس مستعدا بتاتا للتخلص منها، فهل بقي في العالم من حمق يضاهي هذا الحمق؟