الرأسمالية الرقمية ونهاية ما تبقى من الإنسان

هادي معزوز

كنت جالسا رفقة صديقي أستاذ التاريخ، نناقش كعادتنا ما جاد به الزمن مما يدخل في خانة النظري وكان هذا دأبنا في كل لقاء، إلى أن مال بنا الحديث نحو البنية التي تمثل الرأسمالية، فقال لي: الرأسمال جبان، وقلت له: الرأسمال مغامر، وقال لي: الرأسمال جشع، وقلت له: الرأسمال لا أخلاقي.

هو جبان لأنه لا يمكن أن يستثمر سوى فيما هو مضمون الربح منه.

هو مغامر لأنه حينما يرى في الأفق ربحا، يستعد على إنفاق كل ما يملك، ويقترض مما لا يملك كي يضع كل البيض في سلة واحدة ضامنا الربح وإن بعد حين.

هو جشع لأنه يسعى إلى امتلاك كل شيء بما فيه الهواء والأحلام والأمنيات بل وحتى الحماقات أيضا.

وهو لا أخلاقي، لأن له الاستعداد القبلي كي يضحي بكل شيء بما فيه الشرف، وهاجسه هو الربح أولا وأخيرا.

سينتهي النقاش مبدئيا حينما قال لي صديقي الدكتور: ولكن الرأسمال كان يجب أن يظهر، لأنه بواسطته ارتقى وعي الإنسان، فلولاه لكنا الآن غارقين بين ثنايا الفيودالية!

ثم سينتهي النقاش مرة أخرى لما أجبته: ليست الرأسمالية هي من أوجدت نفسها، ولكن الظروف والشروط التاريخية والبنيوية هي التي أوجدتها حينما وصلت إلى مستوى التحقق! صحيح أن وجهة نظرنا تختلف، ليس من ناحية زاوية النظر فحسب، ولكن أيضا من داخل الزاوية نفسها بما أن نقاشنا كان يدور حول فلسفة التاريخ، فلا هو بفلسفة ولا هو بتاريخ، وإن كنت أميل شيئا ما إلى النظام الفيودالي الذي شكل أهم تجسيد للفكر الأرستقراطي في التاريخ، مع العلم أن الرأسمالية لحد الساعة فيودالية أكثر من النظام الفيودالي، بيد أنها قامت بإخفاء جشعها عبر ترويض وعي الإنسان، إذ شتان بين الاستغلال الفيودالي والرأسمالي، وإن كان في كلام صديقي بعض التناقض حينما أقر أن الرأسمالية جشعة، ثم ادعى في الحين عينه أنها خلّصت الإنسان من جحيم الفيودالية..

لما عدت إلى البيت انهممت مفكرا في الموضوع، مرت من أمامي الكتب التي حاولت تعرية الرأسمال والكشف عن هويته، مثلما مرت من أمامي أيضا ما كانت تعتبره مجدا مشرقا من تاريخ الإنسانية وقد تجسدت عبره مبادئ عدة من قبيل الحرية والعقل والتحديث والحداثة والفردانية والمسؤولية وتجديد الدين... صحيح أني لست هنا لمحاكمة الرأسمالية بما أنها جزء من تاريخنا، فهي نتيجة إرادة قوة وقد توفرت واستقرت لها الشروط المؤسسة، إلا أن نظرتي كانت نقدية أكثر منها وصفية، إذ بسبب الوعي الحديث تحول الإنسان إلى مبيد للأرض، وبسببه أيضا صُنعت أفتك الأسلحة والفيروسات، بل كلما تقدمنا في التاريخ وآمنا بقدرة الوعي الخارقة على التغيير، وقوته الجارفة على إعادة الترتيب، كلما ازداد عالمنا تعقيدا أكثر مما كان عليه آنفا، بل وكلما ارتبط مصيرنا بمصيره، كلما اقتربنا من حتفنا وحتف كل الكائنات التي توجد على وجه البسيطة، ولا أدلّ على ذلك ما نعيشه اليوم من انحباس حراري يتم التأريخ إليه بدءا من الثورة الصناعية التي تعتبر العنوان الأبرز لنشأة  الرأسمال، ناهيك عن تسارع حركة دوران الأرض حول نفسها التي تنذر بخطر محدق يساءل مسؤولية الإنسان على كوكب الأرض أمام باقي الكائنات الأخرى، زيادة على ذوبان الجليد في المحيطات، والاضطراب المناخي وارتفاع درجة الحرارة،والتلوث البلاستيكي والانهيارات البيئية وانقراض العديد من الكائنات بشكل متسارع! أليست هذه من عنديات الثقة المفرطة التي منحناها للرأسمال وقد كانت نظرتنا إليه لا تخرج من نطاق التاريخ والسياسة والاقتصاد؟

اليوم وصلنا إلى مسار جديد من الرأسمالية، لم تعد تنفع معه العديد من المصطلحات المستهلكة وقد فقدت بقوة التاريخ شروط وجودها، كالعولمة والنيوليبرالية والتنميط... بل أصبحنا كما أسميها شخصيا، أمام الرأسمالية الرقميةأي رأسمالية المراقبة القائمة على اقتصاد الانتباه، حيث حافظت على ترسانة مبادئها الكبرى سالفة الذكر، لكن وبسبب الثورة الرقمية فقد باتت أكثر جشعا مما كانت عليه سلفا. الرأسمالية الرقمية تتوفر الآن على نظام كامل وعلى قاعدة بيانات لكل سكان الأرض، خاصة ممن يستعملون نظم التواصل الاجتماعي بشكل مرضي يفوق شكل الإدمان، وهي بذلك لا تكتفي بمعرفة طرق تفكيرك فقط، بل إنها تتجاوز ذلك إلى المستوى الوجودي من خلال معرفتها التفصيلية برغبات الفرد وأسراره الدفينة ومعتقداته وما يظهر وما يخفي، وميولاته ومشاركتها منطقة ظله، وحميميته التي لم تعد من الحميمية في شيء،حقا لقد ساهمت الثورة الرقمية في منح الرأسمالية شروط بقائها طبعا، بل إن سر قوتها الخفية كان ولازال لصيقا بالتجدد والسير حذو الحافر بالحافر مع مستجدات كل عصر كي لا تسقط في فخ المقاومة أو الهوية، صحيح أن لها مبادئ لا محيد عنها، إلا أنها مستعدة دوما للتلون مع كل شكل جديد من أشكال نمط العيش وخصوصيات كل عصر.

ومن ثمة فإن الرأسمال الرقمي لم يعد مهووسا بالربح فقط، بل جعل من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الجديدة والتطبيقات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي بمختلف تلاوينها فرصة كبيرة لصنع رغبات الإنسان، بل ولصنع أفكاره وميولاته ونظرته للعالم، ولا شك أن انتصار التفاهة اليوم خير دليل على ما أقول، إذ يكفي أننا محاطون بملايير الناس ينددون بالتفاهة المُروَّجة عبر الشبكة العنكبوتية، لكنك تراهم في نفس الوقت أول من يستهلكها، مما يُبيّنُ بالملموس درجة التأثير الذي وصل إليه الرأسمال الرقمي، حينما تزوج بالتقنية واستغلها استغلالا مبينا من باب السيطرة وضمان الاستمرارية. مثلما يُبيّنُ أيضا درجة الاستلاب التي باتت عنوانا بارزا لإنسان الألفية الثالثة. وعليه، فلو زارنا اليوم شخص من اللحظة الفيودالية لسَخِر من حياتنا ونمط عيشنا، ولتأسف للعبودية التي نعيش على إيقاعها، بينما يوهمنا الرأسماليُّ أننا أكثر تقدما وتحررا ووعيا ممن سبقونا! ماذا كان بإمكانه أن يفعل غير طلب العودة إلى زمن الفيودالية كي يحكي للناس هناك عن أحوال دنيا الناس هنا؟ّ!