خولة المرابط: التحكيم ليس الحلقة الأضعف في الكرة الوطنية ونحتاج مزيدا من الدعم

أمينة مودن

تحدثت خولة المرابط المهدي، الحكمة المغربية الصاعدة، عن مسارها الرياضي من لاعبة كرة قدم إلى التحكيم، والتحديات التي واجهتها في الجمع بين الرياضة والتكوين العلمي، إلى جانب تجربتها الجديدة مع الصافرة.
في حوار حصري مع مجلة " TELSPORT عربي" أوضحت المرابط أن التحول إلى التحكيم لم يكن سهلا، لكنه مكنها من اكتساب فهم أعمق للعبة، وأن كل قرار تتخذه اليوم يعكس سنوات من العمل الجاد والتكوين المستمر.
وأكدت أن المرأة المغربية لا تزال تواجه تحديات ذهنية قبل الميدانية، لكن في كل مرة تمنح الفرصة للحكمات يثبتن أن الكفاءة لا تتعلق بالجنس، بل بالتحضير والانضباط.
وأضافت المرابط أن الجائزة التي حصلت عليها كأفضل حكمة لموسم 2024-2025 من طرف الاتحاد المغربي للاعبين المحترفين، لم تكن تكريما شخصيا فحسب، بل اعترافا بمجهود سنوات من العمل والاجتهاد.

بداية، حدثينا عن التحول في مسارك الرياضي من لاعبة كرة قدم إلى حكمة؟

لم يكن الأمر مجرد تغيير في الدور، بل كان امتدادا طبيعيا للشغف الذي رافقني تجاه كرة القدم منذ طفولتي.
فقد كنت دائما أرى نفسي داخل المستطيل الأخضر، ولا أتخيل ذاتي في مجال آخر، وبما أن مسيرتي كلاعبة كرة قدم كانت مهددة بالتوقف بسبب الالتزامات المهنية، فقد اخترت أن أوجه مساري نحو مجال التحكيم، الذي يتيح مرونة أكبر للجمع بين الممارسة والعمل أو التكوين الأكاديمي.
لقد فضلت أن أبقى ضمن أسرة كرة القدم، لكن هذه المرة من بوابة التحكيم.
كان القرار بالنسبة لي وسيلة جديدة لمواصلة عيش شغفي باللعبة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على توازن حياتي ومسؤولياتي الأخرى، وهذه المرة من موقع مختلف تحكمه المسؤولية والالتزام.

هل كان الانتقال من ممارسة كرة القدم إلى خوض تجربة التحكيم انتقالا سهلا بالنسبة لك، خاصة وأنك واصلت ارتباطك بالمجال لكن هذه المرة من بوابة التحكيم؟

لم يكن التحول أمرا سهلا، فقد انتقلت من لاعبة كرة قدم تعيش شغف اللعبة وأجواء المنافسات يوميا، إلى حكمة يفرض عليها عملها مسؤولية كبرى ويستوجب اتخاذ قرارات حاسمة.
كان التحدي في حد ذاته دافعا ومحفزا، إذ أتاح لي فرصة التطور واكتساب فهم أعمق لكرة القدم من زاوية جديدة.
وكل قرار أتخذه اليوم داخل الملعب هو ثمرة سنوات من التجربة والالتزام، نتيجة لمسار طويل من التكوين والعمل المتواصل والجاد.

وماذا عن المحيط والمقربين، هل تقبلوا فكرة ممارستك لكرة القدم، ثم كونك أصبحت حكمة؟

في البداية، يجب أن أشير إلى أنني ابنة مدينة صغيرة ومحافظة، حيث ما زالت الصعوبات قائمة أمام الفتيات اللواتي يرغبن في ممارسة الرياضة بشكل عام، فبالأحرى إذا تعلق الأمر بالتحكيم أو كرة القدم تحديدا، فذلك يعد أكثر صعوبة ويكاد يكون مستحيلا.
حين اخترت ممارسة كرة القدم ثم التوجه لاحقا نحو مجال التحكيم، كان القرار بمثابة مفاجأة للجميع، بل وحتى للمقربين مني، غير أنني كنت مؤمنة بأن نجاح أي تجربة يبدأ بخطوة جريئة، وهذا ما قمت به، رغم أن القرار في البداية كان مخالفا لرغبة العائلة والمحيط.
ومع مرور الوقت، بدأ المحيط يتفهم أن اختياري كان نابعا من قناعة شخصية وحب صادق للرياضة، فتحول الاستغراب إلى دعم ومساندة.
وأنا أعتز كثيرا بتمثيل مدينتي أصيلة والمرأة المغربية عموما في مجال التحكيم، كما أود التأكيد على أن عالم كرة القدم لم يعد حكرا على الرجل، بل أصبح مفتوحا أمام كل من يلجه بشغف وتفان، كل من موقعه ودوره.

كان لك حديث عن الدراسة، هل يعد التحصيل والتكوين الأكاديمي اليوم مهما بالنسبة للرياضي كيفما كان نوع الرياضة التي يمارسها؟

الدراسة والعمل عنصران أساسيان في حياة أي رياضي، كيفما كان مجال تخصصه، فالتعليم يفتح آفاقا أوسع، بينما يمنح العمل استقرارا وتجربة حياتية غنية.
وأنا أؤمن بأن الرياضي الناجح لا بد أن يكون متوازنا، وألا يعتمد فقط على الرياضة حتى في شقها الاحترافي، بل عليه أن يسير بخطوات ثابتة في مساره العلمي، ليكون حاضرا وقويا في مختلف مجالات الحياة.

هل صحيح أنك فكرت في الانخراط في العمل السياسي؟

كنت أرى في السياسة وسيلة للتأثير الإيجابي وخدمة المجتمع، غير أنني مع مرور الوقت وجدت نفسي أقرب إلى الرياضة وإلى المجال الأكاديمي، حيث أشعر أن عطائي يكون أكبر وواقعيتي أوضح.
لقد راودتني فكرة خوض غمار السياسة في مرحلة من المراحل، بدافع رغبتي الدائمة في الإسهام في خدمة مجتمعي، لكنني اليوم أفضّل أن أركز جهودي على مساري في التحكيم وعلى التكوين الأكاديمي بشكل أكبر.
ومع ذلك، فإن باب السياسة لم يغلق نهائيا، وقد يكون مفتوحاً في المستقبل إذا ما تهيأت الظروف المناسبة، في الوقت الراهن أرى أن ترسيخ حضوري في مجال التحكيم والرياضة، والمضي قدما بخطوات ثابتة في هذا المسار يوجدان على رأس أولوياتي.

تجمعين بين ممارسة كرة القدم والتحكيم، والتكوين العلمي، كيف استطعت مواكبة هاته التحديات؟

 كان لا بد من إيجاد صيغة توازن تمكنني من مواكبة هذه التحديات، والسر في ذلك هو التنظيم والإرادة، فأنا أحرص دائما على أن أمنح لكل جانب من جوانب حياتي الوقت الذي يستحقه، دون أن يطغى أحدها على الآخر.
قد لا تكون المهمة سهلة، لكنها تظل تجربة غنية تمنحني المزيد من القوة والنضج، وكل مرة أحقق فيها خطوة جديدة أشعر بالفخر بما وصلت إليه، لأنني أؤمن أن التوازن بين الشغف الرياضي والتحصيل العلمي والعمل الجاد هو ما يصنع النجاح الحقيقي.

تم اختيارك، الموسم الماضي، من طرف الاتحاد المغربي للاعبين المحترفين أفضل حكمة، هل كنت تتوقعين إحراز هاته الجائزة؟

لقد كانت تجربة استثنائية بكل معنى الكلمة، بالنسبة إلي، لا تمثل هذه الجائزة تكريما شخصيا فحسب، بل هي اعتراف بمجهودات سنوات طويلة من العمل والاجتهاد.
لم أكن أتوقعها في هذا التوقيت بالضبط، لكن المؤكد أن العمل الجاد يؤتي ثماره عاجلا أم آجلا.
هذا التتويج منحني دفعة قوية لمواصلة العمل والاجتهاد، وجعلني أيضا ممتنة للناس الذين وضعوا ثقتهم فيّ وساهموا في دعمي خلال مساري حكمة وطنية.

لكن، لماذا لا توضع الثقة بسهولة في الحكمات لقيادة مباريات البطولة الاحترافية؟

الواقع يشير إلى أن المرأة في المجال الرياضي لا تزال تواجه عددا من التحديات الذهنية قبل الميدانية.
الثقة تُكتسب بصعوبة، إذ توجد تصورات قديمة ومترسخة ترى أن قيادة مباريات كرة القدم حكر على الرجال، ومع ذلك، كلما أُتيحت الفرصة للحكمات يثبتن أن الكفاءة لا تتعلق بالجنس أو بالعمر، بل بالقدرة، والتحضير، والصرامة، والتركيز، والانضباط.
أنا أؤمن بأن المستقبل سيكون أفضل بوجود أشخاص مجتهدين ومخلصين في مجالهم، ومع كل تجربة ناجحة تتزايد الثقة وتفتح المساحات أمام الحكمات المغربيات عموما.
وقد شهدنا بعض التحسن في هذا الاتجاه، شخصيا قدت مباريات كرة القدم للرجال في الموسم الكروي الماضي، وبالرغم من أنني لا أزال جديدة في الميدان، إلا أنني ممتنة لمن آمن بي ومنحني الفرصة.
وفي المقابل، هناك حكمات مغربيات دوليات، مثل بشرى كربوبي وفتيحة جرموني وسكينة حمدي، اللواتي يمثلن قدوة للجيل الصاعد من الحكمات، ونتطلع جميعا إلى السير على خطاهن مستقبلا.

بما أنك أشرت إلى الحكمة بشرى كربوبي، ماذا ينقص سيدات الصافرة للوصول إلى قيادة المباريات على المستوى القاري ولم لا الدولي؟

في اعتقادي، تحتاج الحكمة المغربية الشابة إلى مزيد من الانضباط والصبر، والتحضير الذهني والبدني على حد سواء.
فمجال التحكيم لا يقتصر على معرفة القوانين وضبطها فحسب، بل يتطلب شخصية قوية على أرض الملعب، وثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرارات في الظروف الصعبة.
كما أننا بحاجة إلى الإيمان بأنفسنا، لأن الوصول إلى التحكيم القاري أو الحصول على الشارة الدولية ليس بالأمر السهل، لكنه ممكن شريطة الاستمرارية والعمل الجاد، بالإضافة إلى دعم الأطر التقنية.
اليوم، نشهد دفعة كبيرة وتشجيعا واضحا من طرف المديرية الوطنية للتحكيم، وهو ما يعزز مسار الحكمات المغربيات ويحفزهن على مواصلة التطور والتميز.

ألا تعتقدين أن هنالك تفاوتا بين فترة التكوين الخاصة بالحكام والحكمات، وبين الانطلاقة الفعلية لقيادة المباريات بالبطولة الاحترافية؟

بالفعل، هذه النقطة تؤثر على مسار الحكام الشباب عموما، لكن ومع التغييرات التي عرفها الجهاز المشرف على التحكيم في المغرب، تم فتح الباب أمام وجوه جديدة، ومنحهم الثقة لقيادة المباريات في الأقسام الاحترافية مبكرا.

ومع توالي المباريات، بدأ الحكام الشباب في كسب التجربة، وأعتقد أن مسارهم صوب قيادة المباريات على المستوى القاري والدولي مستقبلا، سيكون أقصر عكس الفترات الماضية.

هناك من يرى أن مستوى التحكيم يشكل الحلقة الأضعف في الكرة المغربية، وأن الحكام هم سبب توتر المباريات وفقدان الثقة في البطولة، ما هو ردك؟

التحكيم جزء أساسي من اللعبة، وبالطبع هو معرض للضغوطات وللانتقادات أكثر من باقي الفاعلين في المجال الكروي.
لكن القول بأن الحكام هم الحلقة الأضعف في المنظومة الكروية المغربية يعد إجحافا إلى حد ما، إذ يعمل الحكم المغربي في ظروف صعبة نظرا لخصوصية البطولة، ووسط ضغط جماهيري وإعلامي كبير، ومع ذلك يتحمل المسؤولية الكاملة عن قراراته.
ورغم هذه التحديات، يضم التحكيم المغربي كفاءات وبروفايلات قوية تمكنت من البروز قاريا ودوليا، وهذا دليل على أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل إن المنظومة ككل بحاجة إلى دعم، وتوفير ظروف مناسبة للعمل، تسمح للحكم بالتركيز الكامل على مهمته داخل المستطيل الأخضر.
اليوم، بدأت الأمور تتحسن تدريجيا، وعند متابعة مباريات البطولة الوطنية الاحترافية في قسميها الأول والثاني، نلاحظ أسماء شابة ووجوها جديدة تحمل الصافرة.. يمكن القول، إذن، بأننا اليوم في الطريق الصحيح.

هل مررتِ خلال قيادتك لمباراة ما بموقف لا يمكنك نسيانه أبدا؟

بالتأكيد، هناك العديد من المواقف التي ستظل راسخة في الذهن، كما أنني لم أستطع نسيان تفاصيل قيادتي لأول مباراة في مشواري كحكمة.
عشت أيضا مشاعر مختلطة عندما تم اختياري لقيادة نهائي كأس العرش للسيدات، لأنها لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت مواجهة يتمنى أي حكم أن يقودها، حاملا معها ضغطاً كبيرا ومسؤولية مضاعفة.
التجربة، إلى جانب دعم العائلة، علمتني الكثير وأسهمت في تجهيزي لقيادة هذا اللقاء التاريخي، بأفضل طريقة ممكنة.

هل سبق أن صادفتِ كلمة '"كوزينتك'" التي يرددها البعض تجاه أي فتاة لمجرد أنها تمارس رياضة أو تعمل في مهنة نادرا ما نرى النساء فيها؟ وكيف تعاملت مع الموقف؟

صراحة، في نظري هذه الكلمة عادية، فهناك أحيانا أمور كثيرة تُقال تتجاوزها وقد تجرح الحكم عموما.
بعض الأشخاص لا تزال لديهم نظرة ضيقة تجاه المرأة التي تعمل في مجالات غير مألوفة بالنسبة إليهم.
مثل هذه الكلمات أسمعها يوميا، وبالنسبة إلي فهي تعكس عقلية محدودة لدى أصحابها، لأن الرياضة حق للجميع، أما بخصوص تعاملي مع هذا الموقف، فيتمثل أولا في التجاهل والتركيز على هدفي.
شخصيا، نشأت بعيدا عن عائلتي الصغيرة التي يعيش معظم أفرادها في إسبانيا، مما جعلني أحتك كثيرا بالشارع وأتعلم مواجهة التحديات بمفردي، لذا، كان ردي العملي هو الوجود الفعلي في الميدان، والقيام بواجبي بشكل يبرهن لأولئك الذين يرونه غريبا أن المرأة قادرة على العطاء والتميز في أي مجال تختاره.

اليوم يشهد التحكيم في العالم تعديلات وقوانين جديدة، ويتطور مع ظهور وسائل مساعدة مثل VAR وAVAR وغيرها، هل تعتقدين أن هذه الوسائل تساعد الحكم على اتخاذ القرار العادل؟

إذا تحدثنا عن التكنولوجيا المساعدة، فهي تقدم دعما للحكم، لكن المهمة الأساسية تبقى من مسؤولية الحكم نفسه، فهو الشخص الوحيد الذي يقرر في الحالات التي يراها.
الحقيقة أن هذه الوسائل تساعد في تقليل نسبة الخطأ، وتتيح المجال لمراجعة القرارات، ويمكن القول إنها تعزز العدالة الكروية وتخفف الضغط على الحكم، إذ تمنحه خيار تصحيح رؤيته للحالات التحكيمية التي يساوره فيها بعض الشك.

بالنظر إلى التنقلات الأسبوعية التي يقوم بها الحكام والتضحيات التي يقدمونها في حياتهم المهنية والشخصية، هل ترين أن التعويضات الخاصة بهم في حاجة إلى إعادة النظر؟

هذا السؤال يجب أن يوجه إلى أهل الاختصاص والذين يوجدون في موقع المسؤولية.
حاليا هناك خطوة وتقدم كبيران، بإشراف من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لدعم الحكام في هذا الجانب.
هنالك تعويضات مالية لجميع الحكام وهذه السنة سيتم تخصيص راتب شهري للحكام من أجل مواصلة العمل، خصوصا وأننا نضحي بوقتنا مهنيا وأيضا شخصيا، لقيادة المباريات والالتزام بمواعيد التعيينات.