كشف بحث ميداني جديد أن مراكز النداء في المغرب تواجه هشاشة مهنية غير مسبوقة، وسط ظروف عمل صعبة، وضغوط نفسية كبيرة، وأجور منخفضة، وغياب شبه كامل للتمثيل النقابي. الدراسة التي أعدّها منتصر الساخي، .وهو أنثروبولوجي بجامعتي لوفان الكاثوليكية ومحمد السادس متعددة التخصصات، بمساهمة ياسمين بوطيب من معهد بروميثيوس، سلطت الضوء على الفجوات البنيوية في هذا القطاع، الذي أصبح يشكّل واجهة للأوفشورينغ في المغرب، ولكنه يخفي وراءه استنزافا مستمرا لليد العاملة، وتحكّما صارما في الأداء، ونقصا حادا في الإحصاءات الرسمية والرقابة على العمال غير المصرّح بهم.
وخلص البحث إلى أن عدد المستخدمين الفعلي يتجاوز 150 ألفًا، رغم إحصاءات رسمية تشير إلى حوالي 100 ألف فقط. كما ظروف العمل تتسم بساعات طويلة، وأجور منخفضة (3800 درهم في المتوسط)، وإجهاد نفسي كبير، مع استهلاك واسع للحشيش كآلية لتحمل الضغط.
ولاحظت الدراسة أن ثقافة العمل تعتمد على محو الهوية الاجتماعية واللغوية للعمال، وتطبيق معايير أجنبية على الحسابات اليومية، بما في ذلك فرض أسماء فرنسية ونمط سلوكي محدد.
كما أن التمثيل النقابي ضعيف جدا، إذ يُستثنى أكثر من 80% من المراكز من أي شكل من التنظيم التمثيلي، وتُواجه محاولات النقابات بالقمع والترهيب والفصل التعسفي.
ويرى البحث أن القطاع الرقمي الجديد (مراقبة المحتوى وإدارة الدعم) يضاعف هشاشة العمال، خصوصًا المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى، الذين يعملون لساعات طويلة بأجور زهيدة، دون ضمان اجتماعي، وبإشراف رقمي صارم.
نمو مراكز النداء في المغرب
ظهرت مراكز النداء في المغرب أواخر التسعينيات مع شركات مثل أتينتو (Atento)، ثم انتشرت سريعًا في محور الدار البيضاء – الرباط، ومدن كبرى أخرى مثل فاس وطنجة ومراكش وأكادير. وقد ارتبط نمو هذا القطاع بإدماج المغرب في اقتصاد الأوفشورينغ، مع التركيز على اليد العاملة الشابة والمتعلمة، والبنية التحتية التكنولوجية الحديثة، وتكلفة تشغيل منخفضة مقارنة بالأسواق الأوروبية.
وبين 2000 و2010، أصبح القطاع وجهة للشباب الحاصلين على الشهادات الجامعية الباحثين عن وظائف مؤقتة، لكن هذه الوظائف المؤقتة تحوّلت لدى الكثيرين إلى مسيرات مهنية طويلة، رغم ظروف العمل القاسية. وأشار أيوب سعود، المسؤول النقابي في الاتحاد المغربي للشغل: "كنا نعتقد أننا سنبقى في هذا القطاع عامين أو ثلاثة، لكن البعض قضى فيه أكثر من 15 سنة، رغم ضغوط العمل وإرهاقه النفسي."
هشاشة العمل وظروف التشغيل
تبيّن الدراسة أن العمل في مراكز النداء يتسم بساعات عمل طويلة: حوالي 44 ساعة أسبوعيًا، وأحيانًا مع نوبات ليلية. وأيضا بأجور منخفضة: تتراوح بين 3800 و7000 درهم سابقًا، لكنها تراجعت اليوم إلى حدود 3800 درهم صافٍ.
ولاحظ البحث وجود ضغط نفسي مستمر، بحيث إن العاملين يميلون إلى استهلاك الحشيش كآلية لتخفيف التوتر، وزيادة حالات الغياب المرضي والإرهاق النفسي.
ونبه البحث إلى الافتقار للتمثيل النقابي، بحيث إن أكثر من 80% من المراكز خارج أي شكل من التنظيم النقابي، وتواجه المحاولات النقابية القمع والفصل التعسفي.
كما أظهرت المقابلات أن العاملين يُجبرون على محو هويتهم الاجتماعية واللغوية، اعتماد أسماء فرنسية، ومراعاة التوقيت الأوروبي على حساب العطل الرسمية المغربية، وكل ذلك ضمن بيئة خاضعة لمراقبة مستمرة وإجبار على الأداء تحت ضغط غير واقعي.
أسطورة الترقي الاجتماعي والتحولات الاقتصادية
في بدايات القطاع، روجت الشركات لمفهوم "الترقي الاجتماعي" عبر المحو الثقافي، حيث يُقدّم العمل على أنه فرصة للاندماج والارتقاء، إلا أن الواقع كشف عن تراجع تدريجي في الأجور وتزايد الضغط النفسي. كما ساهمت جائحة كوفيد-19 في تفاقم الأزمة، إذ تم تطبيق العمل عن بعد بشكل مكثف، ما أدى إلى مضاعفة المراقبة وإطالة ساعات العمل دون تحسين في الأجور أو الحماية الاجتماعية.
العمل النقابي ومقاومة الهشاشة
شهد القطاع محاولات تنظيمية منذ نهاية التسعينيات، وتطور نضال النقابات بعد أحداث 2011 (ربيع مراكز الاتصال)، لتسليط الضوء على الممارسات التعسفية، والمطالبة باتفاقية قطاعية تحمي العمال. ومع ذلك، تظل التحديات هائلة: ضعف التمثيل النقابي، التضييق على المحاولات التنظيمية، والافتقار إلى بيانات دقيقة حول عدد العمال وظروف عملهم.
الهشاشة الجديدة: الرقمنة والمهاجرون
التحولات الرقمية الأخيرة، بما في ذلك مراقبة المحتوى الرقمي وإدماج الذكاء الاصطناعي، فاقمت هشاشة العمال، خصوصًا المهاجرين الأفارقة غير النظاميين، الذين يعملون لساعات أطول، بأجور منخفضة، ومن دون أي حماية اجتماعية. هذا يعكس استمرار منطق "الأوفشورينغ" القائم على استغلال اليد العاملة الهشة لأقصى حدودها.
دعوة لوضع خطة وطنية
تخلص الدراسة إلى ضرورة تطوير خطة وطنية لمكافحة التمييز والهشاشة في المهن الجديدة غير المستقرة، تشمل تنظيم القطاع وتشديد الرقابة على مراكز النداء، بما فيها غير المصرح بها. وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للعمال، مع ضمان أجر عادل وظروف عمل مناسبة. ودعم التمثيل النقابي وحق التنظيم. ومراقبة أثر الرقمنة والذكاء الاصطناعي على العمال، خصوصًا الفئات الهشة. كما أوصت بإجراء بحوث علمية معمقة لتوثيق واقع العمال وحجم القطاع الحقيقي.