لفتيت وجها لوجه أمام الفساد

تيل كيل عربي

بقلم: دة إيمان الرازي أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية

خرج وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بتعبير شديد اللهجة من داخل المؤسسة التشريعية، شد انتباه الرأي العام المغربي، عندما قال إن «من أخذ درهما أو قطعة أرض ليست من حقه فليعدها حتى لا نضطر معه إلى خزيت كما أسماها، وأن المحاسبة سيخضع لها كل من تورط في نهب المال العام أو عقارات الجماعات الآن وقبلا وفي كل حين»، وهي رسالة واضحة منه موجهة إلى كل من تورط في نهب المال العام أو الاستيلاء على ممتلكات الدولة في كل الفترات .

فالمتتبع لهذه الخرجة المدوية لوزير على رأس أم وزارات السيادة، لا يمكن أن يقتصر تحليله على ظاهرها الزجري فقط، لكن وجب ربطها في استقراء أعم وأشمل، يتصل بواقع الفساد المستشري في بعض الجماعات الترابية، وفي إطار وعي رسمي مؤسسي متزايد بخطورة هذه الظاهرة التي تقوض مصداقية الدولة وتضعف قدرتها على تحقيق التنمية المنشودة.

لكن في المقابل، إن القول بأن «من أخذ فليُعد» لا يكفي ما لم ترافقه آليات دقيقة للتتبع والمساءلة، وهي آليات يجب أن تكون شفافة ومستقلة وغير خاضعة للانتقائية أو الحسابات السياسية الضيقة.

رغم أن شرط الاعتراف بأن وزارة الداخلية، في السنوات الأخيرة، شرط واجب وضروري مرده انخراط الوزارة الفعلي في جهود مهمة لتحديث الإدارة الترابية وتفعيل مهام لجان التفتيش ومحاصرة الفساد في بعض الجماعات المحلية، من خلال تفعيل آليات المراقبة والتدقيق، وإحالة العديد من ملفات الفساد على القضاء، إعمالا بتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وهي جهود محمودة لا يمكن إنكارها، تتوخى محاصرة الفساد ومحاربته كنسق اقتصادي واجتماعي متجذر، تغذيه مظاهر الريع، والتغول، وضعف الشفافية في تدبير الصفقات والعقار العموميين.

إن ما صرح به لفتيت، وإن جاء مشبعا بحسن النية المفرط في في استرجاع ما سرق، ومحاولة منه لمنع تكرار ذلك من خلال إصلاح بنية التدبير الترابي، وتعميم الرقمنة، وإعادة النظر في علاقة الجماعات الترابية بالمستثمرين والمضاربين العقاريين، لن يتأتى ذلك كله دون إرادة الدولة العادلة التي تفرض احترام القانون بثقة وعدالة لإعادة الانضباط إلى المجال العمومي،حتى لا يقرأ وكأنه كرنفال سلطوي أو تهديد رمزي أو تقليد بائد.

وفي الأخير، لا يسعني إلا أن أثمن عاليا إرادة الوزير في مواجهة الفساد بصوت عال صداح جهوري، بجرأة كاملة في التنفيذ، لفتح ملفات الفساد اكبرى دون انتقائية، لتستعاد الثقة وللقطع مع الفساد.

إن تصريح عبد الوافي لفتيت، رغم ما قد يمكن أن يؤخذ عليه من نزعة خطابية مخزنية صارمة، لكنه يظل التعبير الصريح في أن شروط إصلاح الدولة من الداخل قد نضجت، وأن استعادة معنى المصلحة العامة هي الأسمى، حتى لا يبقى الفساد غولا ضخما غير مرئي يعرقل مسار التطور والنماء الذي يرعاه رئيس الدولة وملك البلاد.

وبما أن المناسبة شرط دائما، سيكون من الإجحاف والتطرف، عدم الإقرار بمسلسل الإصلاحات الشاملة التي عرفتها وزارة الداخلية اليوم، في عهد أكبر من استمر على رأسها في العهد الجديد والذي يسكنه الهاجس التدبيري أكثر من الأمني عكس سابقيه، وهي الإصلاحات التي امتدت روحها إلى كل المؤسسات المعنية بما فيها الأمنية، مسهمة بذلك في رسم ملامح ما سميته سابقا المخزن الجديد الذي نريد.

وكما كانت لي الجرأة ذات زمن فبرايري جميل على النقد علنا، فلن أكون اليوم أقل جرأة في تسجيل التحولات والاحتفاء بها وتهنئة مهندسيها. وهو الاحتفاء الذي لن يكون توقيعا لشيك على بياض للوزير لفتيت، ولكنه مساندة نقدية حريصة على تعزيز كل مكسب وتثمينه، وغير مترددة في التنبيه في أية مرة ممكنة بصدق ومن غير مزايدة إلى كل اعتلال يقتضي التصحيح.