بركة يندد بالفوارق المجالية ويعلن: الاستقلال يملك الوصفة لتصحيح اختلالات التنمية

تيل كيل عربي

في عرضه السياسي أمام المجلس الوطني لحزب الاستقلال، السبت، قدّم الأمين العام نزار بركة تشخيصا حادا للفوارق المجالية والاجتماعية التي ما تزال تخترق المغرب، مؤكدا أن البلاد تواجه اليوم تحدّي «مغرب السرعة الواحدة»، وهي عبارة تختزل، بحسب تعبيره، الحاجة إلى ضمان توازن حقيقي في مسارات التنمية بين الجهات، بعدما تسببت التحولات الاقتصادية المتسارعة في توسيع الهوة بين مناطق متقدمة وأخرى تكافح من أجل الحدّ الأدنى من الخدمات.

وأوضح بركة أن الوضع الاجتماعي في عدد من الأقاليم يكشف عن “مفارقات غير مقبولة”، تُضعف الثقة لدى المواطنين وتعمّق الإحساس بالإقصاء، مشيرا إلى أن النموذج التنموي الجديد اعترف بدوره بوجود هذه الاختلالات، لكنه شدد على ضرورة الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ الميداني الذي يضمن العدالة المجالية ويعزز فرص التنمية المتكافئة. واعتبر أن التفاوتات اليوم لم تعد مرتبطة فقط بمستوى الاستثمار أو فرص الشغل، بل أصبحت بنيوية تمسّ الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها التعليم والصحة والماء والولوج إلى الخدمات.

وكشف الأمين العام للحزب أن الواقع الرقمي يعبّر بوضوح عن عمق الإشكال، حيث تتصدر جهات بعينها مؤشرات الثروة والازدهار، بينما تستمر جهات أخرى في مستويات متواضعة من الدخل والخدمات. وأكد أن هذا "التباين الحاد" لا يمكن أن يستمر في ظل طموح المغرب إلى بناء دولة اجتماعية متوازنة، قادرة على ضمان نفس حقوق الولوج إلى التنمية بغض النظر عن الجغرافيا. وقال إن الخطر الحقيقي يكمن في بروز مسارات تنموية بسرعتين"، حيث تنطلق جهات كبرى نحو اقتصاد حديث وصناعات متقدمة وبنى تحتية قوية، في حين تجد جهات أخرى نفسها في دائرة الجمود.

وأشار بركة إلى أن هذه الفوارق ليست قدرا محتوما، بل هي نتيجة سنوات من ضعف الاستثمار الموجّه وعدم احترام مبدإ التمييز الإيجابي الذي نصّ عليه الدستور، وحذّر من أن استمرار هذا الوضع سيقوّض ما يقوم عليه النموذج التنموي من وعود بإرساء دولة اجتماعية عادلة. واعتبر أن بعض الأقاليم ما تزال تعاني من خصاص كبير في البنيات الصحية، وندرة في الماء الصالح للشرب، وعرض تعليمي ضعيف، ما يخلق شعوراً متنامياً لدى المواطنين بأنهم خارج دينامية التنمية الوطنية.

وفي هذا السياق، دعا الأمين العام إلى إطلاق موجة ثانية من ورش العدالة المجالية، تقوم على رؤية واضحة لإعادة توزيع الاستثمار العمومي بشكل منصف، مع التركيز على العالم القروي والمناطق الحدودية والأقاليم التي تعاني من تراكمات تاريخية في الخصاص. وقال إن الحزب يُحمّل الحكومة مسؤولية جعل هذا الورش أولوية وطنية، خصوصاً في ظل المؤشرات الاجتماعية التي ارتفعت حدّتها خلال السنتين الأخيرتين، بفعل تأثيرات الأزمة الاقتصادية والمناخية.

وبرأي بركة، فإن تحقيق “مغرب السرعة الواحدة” لن يتحقق عبر المشاريع الكبرى وحدها، بل عبر إعادة النظر في سياسات التشغيل، وتوسيع التغطية الصحية، ودعم المدرسة العمومية، وتأهيل شبكة الطرق والماء والربط الكهربائي، وهو ما يعتبره الحزب الركائز الفعلية لبناء الثقة بين الدولة والمواطن. كما شدد على ضرورة تحيين الجهوية المتقدمة وإعطائها نفساً جديداً، مع نقل اختصاصات حقيقية للجهات وربطها بتمويلات كافية، حتى تكون قادرة على معالجة إكراهاتها الخاصة دون انتظار تدخل مركزي.

وختم الأمين العام عرضه بتأكيد أن “الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الانتظار”، وأن البلاد تحتاج إلى قرارات شجاعة تُعيد التوازن للمسارات التنموية، وتمنح للمواطن في الريف أو الجبل أو الهامش نفس فرص التقدم التي تتوفر للمواطن في المدن الكبرى. وأضاف أن حزب الاستقلال سيواصل رفع هذا الموضوع في كل المحطات السياسية، باعتباره جوهر المشروع المجتمعي الذي يدافع عنه منذ عقود.