سارة سوجار تنال الدكتوراه وتحذر من تآكل الحقوق الإنسانية وراء "خوارزميات" الحدود

محمد فرنان

نالت الناشطة الحقوقية والمحامية سارة سوجار، أمس الثلاثاء، شهادة الدكتوراه في القانون العام بميزة "مشرف جدا"، من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، التابعة لجامعة الحسن الثاني.

ناقشت الباحثة أطروحتها باللغة الفرنسية، المعونة  بـ: "على حدود أوروبا: الهجرة، الأمن، والواقع المشترك بين الاتحاد الأوروبي والمغرب" (Aux frontières de l'Europe : migration, sécurité et réalités partagées entre l'Union européenne et le Maroc) أمام لجنة علمية ترأستها الدكتورة نورة بنرزوق، وأشرف عليها الدكتور المهدي منشيد، وعضوية كل من الأساتذة مصطفى اللويزي، مصطفى الزعيتراوي، بهيجة جمال، وحسن دنان.

المفارقة الهيكلية

تنبني الأطروحة على مفارقة رقمية وسياسية، فبينما تشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن المهاجرين يمثلون نسبة مستقرة تبلغ 3.7% من سكان العالم (نحو 304 ملايين شخص) منذ ثلاثة عقود، يصر الخطاب السياسي السائد على تصوير الهجرة كـ "أزمة دائمة".

هذه الفجوة بين الواقع الديموغرافي والبناء السياسي كانت الجوهر الذي انطلقت منه الباحثة لتحليل كيفية نقل ملف الهجرة من الحقل الاجتماعي إلى الأجندات الأمنية والجيوسياسية، فيما يعرف بـ "الأمننة" (Sécurisation).

May be an image of one or more people and people studying

"رقمنة" المراقبة

حللت الأطروحة كيف انتقلت أوروبا من "تنسيق السياسات" إلى "عسكرة الحدود"، خاصة بعد أزمة 2015، حيث تم تحويل الهجرة إلى تهديد وجودي يستوجب تدابير استثنائية.

ورصدت الباحثة هذا التحول عبر مؤشرات ملموسة، أبرزها تطور وكالة "فرونتكس" (Frontex) من أداة تنسيق إلى وكالة عملياتية ضخمة بميزانية هائلة وصلاحيات واسعة.

وأبرز البحث دور "الرقمنة" عبر أنظمة مثل Eurodac وETIAS، التي تعمل على مركزة البيانات البيومترية، مما حول الحدود إلى "مختبر" لتقنيات السيطرة.

هذا المسار أدى، بحسب الباحثة، إلى خلق ما سمته "هيرارشية الحياة" (تراتبية الحيوات - Hiérarchisation des vies)، حيث يتم تصنيف البشر إلى فئات: حياة تستحق الحماية وأخرى "قابلة للتضحية".

ويعني هذا المفهوم تصنيف البشر إلى فئات متفاوتة القيمة؛ إذ يتم التمييز بين "حياة تستحق الحماية الكاملة" (المواطنون والمهاجرون "المرغوب فيهم")، و"حياة قابلة للتضحية" (المهاجرون في وضعية غير نظامية).

وترى الباحثة أن هذا التمييز ليس مجرد أثر جانبي، بل هو نتاج لمنطق "سياسي-تقني" يحول المهاجر إلى "جسد" أو "رقم" ضمن أنظمة الرقابة البيومترية، مما يجرده من صفته الإنسانية ويجعل من معاناته أو فقدانه للحياة على الحدود أمرا مقبولا أمام هواجس "الأمن القومي".

May be an image of one or more people, dais and text

"الحكامة الهجينة"

في تحليلها للحالة المغربية، ترفض سوجار الرؤية التبسيطية التي تضع المغرب في خانة "المنفذ للأجندات"، مؤكدة أن المملكة طورت "حكامة هجينة" تجمع بين التعاون الأمني الوثيق مع أوروبا، وبين تبني خطاب إنساني وريادة أفريقية تجسدت في الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء (SNIA).

هذا التناقض، وفق الدراسة، يمثل "وضعا عقلانيا" سمح للمغرب بتحويل ملف الهجرة إلى "أداة دبلوماسية" قوية (Diplomatie migratoire) عززت سيادته ومكانته كقائد إقليمي، ومكنته من التفاوض من موقع قوة مع الشريك الأوروبي.

ومع ذلك، رصدت الباحثة فجوة بين هذا الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية، مثل النزوح القسري الداخلي والقوانين الزجرية، التي قد تمس أحيانا بالحقوق الأساسية للمهاجرين.

وأشارت الدراسة إلى أن المغرب، من خلال تبنيه للأجندة الأفريقية للهجرة، قدم نموذجا مغايرا يتجاوز الرؤية الأوروبية الضيقة، فاحتضان الرباط للمرصد الأفريقي للهجرة يعد تكريسا لسيادة قارية تجعل من المغرب شريكا استراتيجيا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو حقوقية تخص القارة السمراء.

May be an image of table and text

"العدالة الهجرية"

خلصت سارة سوجار إلى أن الهجرة لم تعد مجرد قضية إدارة تدفقات، بل أصبحت "واقعا جيوسياسيا مهيكلا" للعلاقات الدولية المعاصرة، ومختبرا لعلاقات القوة "ما بعد الكولونيالية".

ودعت الباحثة إلى ضرورة الانتقال من مقاربة "الأمننة" الصرفة، التي أثبتت محدوديتها، نحو نموذج جديد يقوم على المسؤولية المشتركة، العدالة الهجرية التي تضمن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار أمني، وتجاوز المنطق التقنوقراطي والاعتراف بالهجرة كحق وحقيقة إنسانية تاريخية.

واعتمدت الباحثة على منهجية مركبة تزاوج بين التحليل القانوني والبحث الميداني، مستفيدة من خبرتها في التعامل مع قضايا المهاجرين، مما جعل الأطروحة تتجاوز رفوف المكتبات لتقارب الواقع المعاش في المناطق الحدودية ومراكز الاستقبال، مقدمة بذلك شهادة علمية حية على التحولات السوسيولوجية للهجرة.

وفي قراءة للمستقبل، حذرت الباحثة من أن الاستمرار في "تكنولوجيا الحدود" والاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في فرز المهاجرين قد يؤدي إلى "موت الحقوق" خلف الخوارزميات، داعية إلى فتح ورش "العدالة الهجرية" كأولوية قصوى لضمان عدم تحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة للقيم الإنسانية قبل أن يكون مقبرة للأجساد.