ارتفاع أثمنة المواد الأولية يدفع صناع النحاس التقليديين بفاس لدق ناقس الخطر

تيل كيل عربي

أجمع عدد من الصناع التقليديين بقطاع النحاسيات بمدينة فاس على أن تواطؤ كبار مستوردي النحاس، وغياب مصانع لإعادة تدوير الشظايا، وآلات الليزر، يشكل "ثالوثًا قاتلًا" يهدد مستقبل صناعة النحاس التقليدية، ومعها الشهرة التاريخية لساحة الصفّارين بالعاصمة العلمية للمملكة، وذلك في ظل موجة غضب عارمة بسبب الارتفاع الذي وصفوه بغير المبرر في أسعار المادة الأولية.

واشتكى حرفيون بالمدينة العتيقة وبالحي الحرفي الصفّارين بعين النقبي، في تصريحات لـ"تيلكيل عربي"، من الارتفاع المتواصل في أسعار النحاس، التي بلغت 155 درهمًا للكيلوغرام الواحد، مع توقعات بوصولها إلى 200 درهم، معتبرين أن هذا الوضع يشكل استهدافًا مباشرًا لصناعة النحاس، بما تمثله من قيمة اقتصادية وسياحية للعاصمة العلمية.

وأرجع الحرفيون هذا الارتفاع إلى ما وصفوه بتواطؤ كبار المستوردين الذين يتحكمون في السوق ويتفقون فيما بينهم على رفع الأسعار، في ضربٍ سافر لمبدأ المنافسة، على حد تعبيرهم. معتبرين أن المبررات التي يسوقها المستوردون تبقى واهية، خاصة تلك المرتبطة بالسوق الدولية، ومشيرين إلى أن المعطيات المسجلة في البورصات العالمية تؤكد أن الزيادة لم تكن سوى طفيفة. وتساءل الحرفيون، في هذا السياق، عن أسباب عدم خفض الأسعار محليًا خلال سنتي 2023 و2024، حين انهارت أسعار النحاس في الأسواق الدولية.

كما حمّل المتضررون الجهات الوصية على قطاع الصناعة التقليدية، وطنيًا ومحليًا، مسؤولية هذا الوضع، متسائلين عن سبب عرقلة إحداث مصنع لإعادة تدوير مخلفات التصنيع، وخاصة شظايا النحاس، التي يتم تصديرها إلى شركات صينية بأثمنة بخسة، قبل إعادة بيعها للحرفيين بالمغرب بأسعار مرتفعة. وذكّر الحرفيون بأن المعرض الوطني للمعادن، في نسخته الثانية سنة 2022، كان قد أوصى بإحداث وحدة لإعادة تدوير شظايا النحاس، دون أن ترى هذه التوصية طريقها إلى التنفيذ، خدمة لأجندة كبار المستوردين، على حد تعبيرهم دائما.

وحذّر الحرفيون من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الزيادات المفاجئة في أسعار النحاس، مؤكدين أن بعضهم وجد نفسه في مأزق حقيقي بعد الاتفاق المسبق مع الزبناء على الأسعار القديمة، قبل أن ترتفع أثمنة المادة الأولية بشكل صاروخي. كما نبّهوا إلى أن هذه الزيادات ستنعكس سلبًا على أسعار المنتوجات النحاسية بالسوق الوطنية، وستفقدها قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية.

ويُضاف إلى هذه الإكراهات، بحسب الحرفيين، خطر انتشار آلات الليزر، التي باتت تهدد الصناع الصغار لعدم قدرتهم على مجاراتها، فضلًا عن تهديدها لمئات من الحرفيين الذين يشتغلون في نقش صفائح النحاس بوسائل تقليدية، ما يضع مناصب شغلهم على المحك.

ورغم التوصيات الصادرة عن اليوم الدراسي المنظم بتاريخ 19 دجنبر الماضي من طرف كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، بشراكة مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله وغرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس مكناس، وتحت إشراف المديرية الجهوية للصناعة التقليدية بفاس، فإن الحرفيين يرون أنها توصيات غير عملية ولا توفر حماية حقيقية لأصحاب الورشات الصغرى.

واعتبر الحرفيون أن اقتراح تقديم مشروع قانون ينظم استعمال الآلات في الحرف التقليدية عمومًا، وقطاع النحاسيات بالليزر خصوصًا، مع اعتماد شارة جودة لتمييز المنتوجات اليدوية، يبقى حلًا ترقيعيًا وغير كافٍ. وعللوا ذلك بكون الكفة ستظل راجحة لصالح مالكي آلات الليزر، في ظل غياب تمكين الحرفيين التقليديين من وسائل حديثة للإنتاج، ما يجعل المنافسة غير متكافئة في سوق يعرف إنتاجًا غزيرًا من الورشات المجهزة بهذه الآلات.