من أصيلة: كرة تمر ومحبة لا تزول.. المعنى الحقيقي للصداقة المغربية المصرية

تيل كيل عربي
الدكتور محمود عزت
 مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية والمنسق الإقليمي للبطولة الدولية لكرة القدم للسياحة الرياضية.

في خضم التفاعلات العاطفية المصاحبة للبطولات القارية، كثيرًا ما تتجاوز بعض التصريحات أو السلوكيات حدودها الطبيعية، فتُحمَّل أكثر مما تحتمل، ويُبنى عليها تصوّرٌ خاطئ عن علاقاتٍ راسخةٍ لا تهزّها عثرة عابرة.

ما أُثير أخيرًا على خلفية تصريحات أو مواقف نُسبت إلى مسؤولين بالجهاز الفني لمنتخب مصر عقب الهزيمة من السنغال في دور نصف النهائي خلال كأس الأمم الأفريقية، وما تبعها من جدل مصري– مغربي على بعض المنصات، يندرج في هذا السياق تحديدًا، ويستوجب قراءة هادئة ومسؤولة تسعى إلى رأب الصدع لا تعميقه.

أولًا، من المهم التأكيد أن كرة القدم، بحكم طبيعتها، مجال خصب للانفعال، وأن المدربين واللاعبين ــ مهما بلغت خبرتهم ــ يظلون بشرًا تحكمهم لحظة الضغط والنتيجة والجماهير، وبالتالي، فإن أي تصريح "غير موفق" أو "غير مُنضبط" قيل في سياق كرة القدم لا ينبغي أن يُحمَّل دلالات سياسية أو ثقافية تتجاوز حدوده.

الخلاف ــ إن وُجد ــ يظل رياضيًا محضًا، لا يعكس موقف شعب، ولا يختزل علاقة دولتين وشعبين تربطهما وشائج تاريخية وحضارية عميقة.

ثانيًا، إن العلاقات المصرية المغربية ليست علاقات طارئة أو ظرفية، بل هي نتاج قرون من التفاعل الحضاري والإنساني، فمن الأزهر الذي استقبل طلاب العلم من المغرب، إلى فاس ومراكش اللتين احتضنتا علماء من مصر، ومن التلاقي الثقافي في الأدب والفن، إلى التنسيق السياسي والدبلوماسي في القضايا العربية والإفريقية، ظلّ خط التواصل بين مصر والمغرب مفتوحًا وقويًا. هذه العلاقات لا يمكن أن تتأثر بتصريح عابر في بطولة كروية، ولا يجوز اختزالها في جدل رياضي آني.

ثالثًا، لا يمكن الحديث عن كأس الأمم الأفريقية دون التوقف عند حسن الضيافة والتنظيم الذي يحرص عليه البلد المضيف، وهو تقليد راسخ في الدول الإفريقية عمومًا، وفي المغرب ومصر على وجه الخصوص. فالرياضة، في جوهرها، ليست منافسة فقط، بل مناسبة للتعارف والتقارب وبناء الجسور بين الشعوب.

وما شهده المتابعون وما سهدته بنفسي من حفاوة استقبال، واحترام متبادل بين الجماهير، وتعاون على المستوى التنظيمي، يؤكد أن الروح العامة للبطولة كانت إيجابية، وأن أي توتر إعلامي لم يكن سوى استثناء غير موفق لا يعكس المشهد الكلي.

رابعًا، تقع على عاتق الإعلام والنخب الثقافية والرياضية مسؤولية مضاعفة في مثل هذه اللحظات. فبدلًا من الانسياق وراء خطاب الإثارة أو تأجيج المشاعر، ينبغي تبنّي خطاب عقلاني يفرّق بين المنافسة الرياضية المشروعة، وبين العلاقات الأخوية بين الشعوب.

النقد حق، والاختلاف مشروع، لكن تحويله إلى إساءة متبادلة أو تعميمات جارحة يضر بالجميع، ويمنح منصات التواصل الاجتماعي سلطة أكبر من حجمها الحقيقي.

خامسًا، إن رأب الصدع ــ إن صحّ التعبير ــ لا يحتاج إلى بيانات رسمية بقدر ما يحتاج إلى وعي جمعي بأن ما يجمع المصريين والمغاربة أعمق بكثير مما قد يفرقهم في مباراة أو بطولة.

الاعتراف بأن بعض التصريحات لم تكن موفقة، أو أن ردود الأفعال كانت مبالغًا فيها، هو خطوة أولى نحو تجاوز الأمر. الرياضة بطبيعتها ذاكرة قصيرة؛ ما يبقى هو الاحترام المتبادل، والصورة الذهنية الإيجابية التي يتركها كل شعب لدى الآخر.

وفي هذا السياق، تبرز المبادرات المجتمعية والرياضية المشتركة بوصفها الرد العملي والأصدق على أي توتر عابر. فقد جاءت كأس أصيلة للصداقة المغربية المصرية لكرة القدم للرواد وقدامى اللاعبين، التي نُظِّمت بمدينة أصيلة بالتعاون مع المنتدى المتوسطي للشباب وعلى هامش البطولة، نموذجًا ثقافيًا ورياضيًا حيًا لما يمكن أن تصنعه الرياضة حين تتحرر من ضغوط النتائج وتعود إلى جوهرها الإنساني. لم تكن المبارايات مجرد لقاء كروي، بل كانت مساحة مفتوحة للمحبة والتلاقي، جسّدت روح الأخوة بين الشباب المصري والمغربي. وقد لمستُ عن قرب، كما لمس كل المشاركين، كرم الضيافة الأصيل الذي تتميز به أصيلة، مدينة الثقافة والانفتاح، حيث كان الترحيب سابقًا على المنافسة، والابتسامة أبلغ من أي خطاب.

في أصيلة، لم يكن المصري ضيفًا، بل كان في بيته، وهو إحساس يعكس عمق الروابط بين الشعبين، ويؤكد أن ما يجمعهما على أرض الواقع أقوى بكثير من أي جدل عابر تصنعه لحظة انفعال أو منصّة تواصل.

في المحصلة، تُثبت التجربة أن ما يجمع بين مصر والمغرب لا يُقاس بردود فعل لحظية ولا بتصريحات عابرة، بل يُقاس بما يتجسّد على الأرض من ممارسات إنسانية ومبادرات صادقة. لقد جاءت كأس أصيلة للصداقة المغربية المصرية، وما رافقها من أجواء ودّ وترحاب، لتؤكد أن العلاقات بين الشعبين أعمق من أن تُمسّ، وأن الروح الرياضية الحقة قادرة دائمًا على رأب أي صدع وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. فتبقى كرة القدم مساحة للتنافس الشريف، وتبقى الأخوة المصرية المغربية رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا لا تهزه زوبعة إعلامية، ولا تُضعفه لحظة انفعال. هكذا تُصان العلاقات بين الشعوب: بالفعل الصادق، والضيافة الكريمة، والوعي بأن ما يجمعنا أكبر وأبقى.

في الختام، تبقى كأس الأمم الأفريقية مناسبة للاحتفاء بالكرة الإفريقية، وبقيم التنافس الشريف، وبالروابط الإنسانية بين شعوب القارة.

أما العلاقات المصرية المغربية، فهي أكبر من أن تُختزل في جدل رياضي، وأقوى من أن تتأثر بزوبعة إعلامية عابرة، المطلوب اليوم هو إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي: كرة قدم تُلعب وتُحلَّل وتُنتقد، وأخوة راسخة تُصان وتُحترم، وضيافة عربية إفريقية أصيلة تظل عنوانًا جامعًا لا خلاف عليه..

وهنيئًا للمغرب وشعبه الكريم منتخبه الذي استحق بالجهد والتفاني الوصول للمباراة النهائية وهذا التنظيم الرائع.