نبيل فازيو: التنصيص على "دين الدولة" تكتيك لانتزاع "الرأسمال الديني" من يد الإسلاميين

محمد فرنان

أبرز الدكتور نبيل فازيو، الأستاذ الجامعي، والباحث في قضايا الفكر الإسلامي، أن الدولة في المنطقة الإسلامية لا يمكنها تجاهل الدين في بنيتها، مشيرا إلى أنها "دائما كانت تتكئ على رأسمال ديني"، نظرا لأن فهم المجتمع العربي الإسلامي يكشف عن وجود رأسمال ديني "يفرض هيمنته بشكل من الأشكال".

جاء ذلك خلال حلوله ضيفا على الكاتب إبراهيم عيسى في حلقة بعنوان "كيف تفهم التيارات الإسلامية مفهوم الدولة؟"، ضمن بودكاست "جدليات" الذي تنتجه مؤسسة "تكوين" للفكر العربي.

وفي سياق تفسيره لتمسك الدول بالنص على الدين في دساتيرها، أوضح فازيو صاحب كتاب، دولة الفقهاء، أن "الدولة تواجه قوى، أو هذه القوى تواجه الدولة، وتتصارعان على هذا الرأسمال الذي هو الدين".

وأضاف موضحا الديناميكية السياسية لهذا الصراع، بأنه "في تقديري ما دام هذا الصراع على الرأسمال الديني قائما، فالدولة هي تبادر فتقول لك في دستورها إن الإسلام دين الدولة".

وعن الجذور المجتمعية لهذا التوجه، أشار فازيو إلى أن الدولة تواجه جماهير وشعوبا ينعكس "شعورهم بهويتهم وطريقة تفكيرهم" في هذه الفكرة الدستورية، معتبرا أن التنصيص على الإسلام كدين للدولة هو في جوهره "انعكاس لواقع أكبر من الدولة وواقع المجتمع".

وأورد مؤلف "في نقد في نقد الفلسفي المعاصر" أن "الدولة هي أداة لـ(عقلنة المجتمع)، عندما تنجح في عقلنة المجتمع آنذاك تتجاوز هذه المرحلة بدون أي مشكل".

واستدرك مشيرا إلى أن دول المنطقة ككل "ما تزال تواجه" تحديات في هذا الشأن، مستشهدا بأحداث "الربيع العربي" التي أظهرت "كيف تم تجييش الرأسمال الديني، وكيف تم في بعض الأحيان السطو على الرأسمال الديني" من قبل تيارات سياسية.

وحول إمكانية الوصول إلى "الدولة المدنية"، أكد فازيو أن دور الدولة في ضبط هذا المجال لا يزال قائما، وأن التحول للدولة المدنية رهين بشرط أساسي وهو "عندما يتم الأمر على مستوى الوعي الجمعي، وينضج هذا الوعي في تصوره للدين".

ولفت إلى أن المنطقة تسير في هذا الخط "بشكل متباين بين قطر وآخر"، منوها إلى وجود "وعي عند الشباب اليوم"، يقابله في الوقت نفسه "استراتيجيات وتكتيكات جديدة عند القوى الدينية تريد مرة أخرى أن تسيطر بطريقة من الطرق".

وأشار إلى أن تطور "الوعي المجتمعي" وقدرته على "تشرب قيم جديدة تزحزح الانغلاق الدغمائي على الذات والهوية"، سيفرض مستقبلا على الدول مراجعة مبدأ النص على دين الدولة.

واستعار فازيو مقولة الفقيه القانوني هانس كيلسن: "القانون هو نحو (Grammar) المجتمع"، ليؤكد أن "المجتمع عندما يتغير، تتغير معه التشريعات"، لأن التشريعات تسير دوما بموازاة تطور المجتمع.

أوضح الدكتور فازيو أن هذه المقولة ليست بديهية كما يتم الترويج لها، بل هي نتاج "نحت أيديولوجي" ظهر في العصر الحديث.

وأكد أن استحضار نصوص التراث لإثبات هذا الربط هو نوع من "لي عنق النصوص"؛ فحتى الفقهاء الكبار الذين نظروا للأحكام السلطانية كالمواردي والجويني وابن تيمية، لم يكن لديهم هذا التصور المعاصر المدمج للدين والدولة ككتلة واحدة غير قابلة للفصل.

أشار الباحث إلى دقة التمييز عند المواردي، حيث فصل بين الحسبة كتطوع ديني (أمر بالمعروف ونهي عن المنكر) وبين الحسبة كـ"تكليف وسلطة" تدخل ضمن اللعبة السياسية الكبرى، هذا التمييز يثبت أن الفقهاء القدامى لم يخلطوا بين المجالين الإيماني والتدبيري كما يفعل الإسلام السياسي اليوم.

نبه فازيو إلى أن التنظير الفقهي للخلافة ظهر في لحظات "تأزم المؤسسة" وضعف السلطة المركزية، وليس في أوج قوتها، فالمواردي مثلا حاول وضع نسق تشريعي لإضفاء مشروعية على واقع ممزق سياسيا، مما يجعل من استدعاء "دولة الخلافة" اليوم كنموذج مثالي استدعاء لنموذج كان يعيش أزمة بنيوية وتاريخية منذ نشأته.

فسر فازيو التمسك بفكرة الدولة الدينية في العصر الحديث كـ "رد فعل دفاعي" أمام الغرب المنتصر، هذه الاستعادة تهدف لدغدغة مشاعر الجماهير برأس مال رمزي، دون استناد حقيقي لبحث علمي دقيق، حيث يتم "اختطاف النصوص للفقهاء" وعزلها عن سياقها التاريخي والنفسي لتبرير أفعال سياسية معاصرة.