"ريمونتادا" الملك

أحمد مدياني
أحمد مدياني

انقلب "السحر" على من يتوهم أنه "ساحر"... جنوب إفريقيا، الكاميرون، موزمبيق، تونس، إثيوبيا، مصر، كوت ديفوار، غينيا الاستوائية، توغو، بنين، السنغال... وغيرهم كثير، تفاعل إعلامهم الرقمي، الورقي والسمعي البصري، مع رسالة الملك محمد السادس، للمغاربة وإخوانهم الأفارقة، بشأن تنظيم المملكة لنهائيات "الكان".

تناولت وسائل إعلامية إفريقية، حتى في البلدان التي لا تتقاسم حكوماتها وحكامها مع المملكة المغربية مختلف المصالح حتى في حدودها الدنيا، مضمون بلاغ الديوان الملكي، الصادر يوم الخميس الماضي، من زاوية الإشادة بحكمة قائد أمة، مقتنع بأن مصير القارة مُشترك بين أممها.

قائد اشتغل واستثمر، منذ جلوسه على كرسي العرش، في أن تكون السيادة لإفريقيا لا عليها، تأكيدا للخطاب الذي ألقاه خلال القمة الـ28 للاتحاد الإفريقي، عام 2017؛ حيث قال عاهل البلاد: "يقول البعض إن المغرب يسعى من خلال هذا الالتزام إلى كسب القيادة في إفريقيا. وأقول لهم إن المملكة تسعى إلى منح القيادة لإفريقيا".

هل جاء في بلاغ الديوان الملكي الذي أعقب نهاية الدورة الـ 35 لكأس إفريقيا للأمم ما يؤكد ذلك؟

نعم.

كيف؟

يؤكد الملك في البلاغ أنه: "إذا كان هذا الحفل الكروي القاري الكبير الذي احتضنته المملكة قد شابته الأحداث المؤسفة التي شهدتها الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية لهذه البطولة التي جمعت الفريقين المغربي والسنغالي، والتي تم خلالها تسجيل وقائع وتصرفات مشينة؛ فإنه بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف، ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي؛ حيث إن هذا النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا كلها. وسيظل المغرب فخورا بكونه قدم على أرضه شهرا من الفرح الشعبي والحماس الرياضي، وساهم بذلك في إشعاع إفريقيا وكرة القدم بالقارة".

ثم يشدد في آخر فقرتين من البلاغ بالقول، إن "المملكة المغربية كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا وفيا لروح الأخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه على الدوام تجاه قارته.

وطبقا للرؤية المتبصرة للملك، فإن المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة، لاسيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته".

كان هذا الشق المرتبط بما يجمع المغرب وقارته التي هو منها وإليها. حضر بقوة مباشرة بعد صدور البلاغ الملكي، في تفاعلات إعلامها ومؤثريها على مواقع التواصل الاجتماعي، بكل اللغات.

ماذا عن الذي يتوهم أنه "ساحر"؟

أولا، وكما نقول بالعامية المغربية: "حدد ليه بلاغ الديوان الملكي السرعة".

حين أقفل قوس محاولات النيل من نجاح التنظيم المغربي، بالتأكيد على أن "هذه الدورة ستظل محطة بارزة في تاريخ المنافسة القارية، إذ أنها، فضلا عن نتائجها الرياضية الممتازة، مكنت من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم، بفضل رؤية بعيدة المدى ونموذج مغربي متفرد وفعال يضع المواطن في صلب كل الطموحات".

ثم انتقل الملك لصياغة فقرة "مطروزة مزيان"، تجمع ما بين إعادة التربية، والتذكير بأخلاق دولة تملك شرعية ومشروعية السيادة، تاريخيا وجغرافيا.

فقرة جاء فيها، أنه "من جهة أخرى، وإزاء التشهير وبعض محاولات النيل من المصداقية، فإن الملك، يظل على اقتناع بأن المخططات المعادية لن تبلغ أبدا مرادها، وأن الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة. فلا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا".

بهذه الرسالة الملكية، وهي كذلك، لأن مضمونها يفوق وصف "البلاغ"، رجت أعلى سلطة في البلاد، أيضا، جزءا من مواطنيها، خاصة الذين تملكهم الغضب المختلط بالوطنية الصادقة، من سرقة اللقب عن سبق إصرار وترصد.

رجة كان يجب أن تحدث، لنستفيق جميعا من الانسياق وراء مخطط محاولات هدم جسور شيدها المغرب لسنوات، نحو عمقه الإفريقي، حيث تحققت مكاسب سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية ودينية أيضا...

مكاسب راكمت المملكة شروط نجاحها على أرض الواقع لسنوات، وفق قناعات "رابح/رابح".

قبل الختم، وبعيدا عن معركة دهاليز "الكاف"، ولجانه، الكأس صعدت الطائرة نحو السنغال، وحكومة الأخيرة برئيسها سوف تصعد طائرة أخرى قادمة إلى المغرب، لكتابة صفحات جديدة من العلاقات بين البلدين، أكثر متانة وقوة وصدقا.

من كان يتوهم أنه "ينثر سحر" بتر المغرب من جسد إفريقيا، ارتد عليه. سوف يرتد أكثر بهزات أكبر، قريبا، ونهاية شهر يناير الجاري ليست ببعيدة.

أخيرا، "ميساج خفيف على اللسان ثقيل في ميزان المستقبل"، لمن يواصل استغلال ملايير البترول والغاز في حربه الرخيصة على المغرب والمغاربة.

تلك الملايير من الأحرى توجيهها إلى شعبه الذي قضى جزء كبير منه ليلة بيضاء، فرحا بخسارة المغرب للقب القاري، ما فوت عليه الوقوف باكرا في صفوف انتظار شراء علبة حليب.

"الميساج الخفيف" هو: "أيا شد روحك مليح... ريمونتادا الملك لم تنته بعد...!"

مواضيع ذات صلة