الجزائر هادئة.. الدبلوماسية ليست نزهة مواقف!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

الأمم المتحدة/جنيف

استمعت يوم الأربعاء الماضي، مباشرة، لكلمات عدد من مناديب الدول، خلال الجلسة العامة للدورة الـ 61 لمجلس حقوق إنسان، بمقر الأمم المتحدة في جنيف، من بينها كلمة ممثل الجارة الشرقية.

كانت الكلمة هذه المرة، على غير العادة، بدون إسقاط طائرة المغرب فوق حدائق الجزائر التي يتم تجفيف منابع سقي أعشابها الضارة.

خلت الكلمة من عبارات "دعم تقرير المصير"... "حق الشعب الصحراوي في استرجاع أراضيه"... "تصفية الاستعمار بإفريقيا".. خلت من كل عبارات "تقطير البترول والغاز" بعيدا عمن يحتاج قطراته فعلا.

خلال نفس الجلسة، لم تسلم روسيا من الجلد على لسان عدد من المناديب الذين ألقوا كلماتهم باسم دولهم وحكوماتهم، خاصة أستراليا وفرنسا... كما لم تمر كلمة مندوب الإمارات العربية المتحدة دون تشنج، حين قاطعه ممثل السودان، بعد أخذ نقطة نظام، رفض من خلالها نُطق اسم بلاده على لسان ممثل أبو ظبي، في سياق ما يعشيه وطن "صقر الجديان" من حرب أهلية.

الجلسة العامة التي تُقدم فِيها كلمات الوفود المشاركة في دورات مجلس حقوق الإنسان بجنيف كانت، ولا تزال، ساحة لتصريف المواقف بين الدول.

مواقف سياسية وأخرى اقتصادية، تقذف هنا، تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان.

وكذلك كانت تفعل الجزائر دائما في استهدافها للمغرب. لكن هذه المرة، اختفى كل شيء.

لماذا؟

أولا، لا يمكن أبدا تحييد تأثير المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن الوصول إلى صيغة نهائية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، تفعيلا لقرار مجلس الأمن رقم 2797.

نعم، سيكون لمحطتي مدريد وواشنطن الأخيرتين تأثير على مواقف كثيرة، منها المعلنة وغيرها. أيضا، موقف الاتحاد الأوروبي الموحد من الحل السياسي الذي يطرحه المغرب، وما تلاه من اعترافات عدد من العواصم الأوروبية بجديته وواقعيته واستدامته.

هذا مع الأخذ بعين الاعتبار تراجع المواقف الداعمة لأطروحة الانفصال القادمة من أمريكا الجنوبية، إما بشكل كلي، أو جزئي، وما تبقى منها لن يتجاوز في المستقبل القريب سقف إعادة تدوير الشعارات لا غير.

كل ما سبق ذكره مهم جدا، هو المحدد، نعم. لكني أرى أن هناك عاملا آخر أكثر قوة، وإن كان يحمل لدى البعض صفة "المؤثر فقط".

ما هو؟

قبل الإجابة، دعونا نتأمل الوضع هناك بالشرق الأوسط وغرب أوروبا.

فروسيا منشغلة بحربها على أوكرانيا وتصاعد حدة تبادل الاتهامات بينها وبين الدول الأوروبية التي تدعم كييف. لمعرفة حجم ما وصل إليه التوتر، أنقل إليكم ما دار بالطابق الخامس، للمبنى A داخل مقر الأمم المتحدة، وتحديدا القاعة السادسة عشرة.

بين جدرانها، اتهم ممثل روسيا دولة ألمانيا، بلغة مباشرة، بـ"توريد أسلحة تحتوي على مواد مشعة لأوكرانيا، يشتبه في أنها نووية"، نعم، دار هذا الكلام خلال أشغال مؤتمر نزع السلاح النووي، التي يترأسها بالمناسبة السفير الممثل الدائم للمغرب بجنيف عمر زنيبر.

الصين تركز كل جهودها على التقليل من خسائر تداعيات أزمتها مع تايوان، ومواصلة تنزيل مناوراتها الاقتصادية لتجنب زيادة خنق صادراتها نحو العالم، بسبب الإجراءات التي يفرضها عليها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب.

لن نطيل التأمل، قبل الوصول للإجابة عن سؤال: ما العامل المؤثر في كلمة الجزائر أمام المنتظم الدولي لحقوق الإنسان؟

سنذكر فقط بما يقع في السودان... أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا... اشتعال الحدود بين أفغانستان وباكستان... تصاعد حدة الاستقطاب بين السعودية والإمارات... صعوبة مواصلة تنفيذ خطة تغيير الداخل السوري... وغيرها...

ثم يأتي، العامل المؤثر الأكثر قوة، وهو توقعات فشل جولات المفاوضات غير المباشرة، بوساطة من سلطنة عمان، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

نعم، بعد فشل الجولتين الأولى ثم الثانية، هنا بجنيف، مع توقعات بنفس المصير للجولة الثالثة التي أجريت يوم الخميس 26 فبراير المنتهي، تحدث الجميع عن قرب الضربة الأمريكية فوق سماء طهران، بل حدد لها الدبلوماسيون والمراقبون داخل أروقة الأمم المتحدة، موعد نهاية الأسبوع الجاري، وهو ما وقع بالفعل، فجر اليوم السبت.

أكثر المتفائلين من جولات المفاوضات غير المباشرة، اعتبروا أن تحديد موعد جولة رابعة بفيينا الأسبوع المقبل، كان مؤشرا على قرب الضربة العسكرية وليس العكس.

ضربة ستكون هذه المرة أوسع، ليس من أجل اشعال حرب تطول، بل بغرض الوصول لتفاهمات أشمل.

ضربة هدفها، وإن بعنف مُفرط، تحضير الشارع الإيراني للتحولات التي ستطرأ على مواقف قيادات بلاده.

إذن، أي علاقة بين ما يقع الآن في إيران وبين كلمة الجزائر أمام الدورة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان؟

العلاقة قائمة، بل محددة، لأن "دولة ولاية الفقيه" تُعد منذ سنوات، الداعم الرئيسي والفاعل حتى ميدانيا، لأطروحات الانفصال بشمال إفريقيا ككل، وليس فقط ما يستهدف التراب المغربي.

حين أشهرت المملكة، قبل سنوات، كل الأوراق الحمراء في وجه إيران بكل تعبيراتها المتعددة، كانت على وعي تام بأن الخطوة ضرورية لتحضير مستقبل تجفيف مياه إحدى أهم قنوات سقي حدائق الجزائر الممتلئة بالأعشاب الضارة.

وما يقع، اليوم، يؤكد أن المغرب، بكل مستويات تحركاته الدولية والإقليمية، لا يعتمد إطلاقا في تدبيره وإدارته لسياساته الخارجية على العاطفة أو المهادنة السلبية أو ردود الفعل بدون نتائج قابلة لقياس درجة تحقق المكاسب، سواء أكانت ردود فعله قوية أو ناعمة.

العلاقة قائمة ومحددة، لأن الجزائر بدورها أمام امتحان تهيئة شارعها للتحولات التي ستهم مواقف جنرالاته.

أخيرا، أمام كل هذه التحولات، الطارئة والمنتظرة، المغرب، يخبرنا نحن أبناء الداخل قبل الخارج بأصدقائه قبل خصومه، أن "الدبلوماسية ليست نزهة مواقف"، بل تراكم خطوات تقاس تحركاتها بالمليمتر... كل خطوة ستجعل "الجزائر الرسمية" الآن ومستقبلا أكثر هدوء.