من "حكومة المونديال" إلى "حكومة الحكم الذاتي"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

قبل أشهر، كان جل النقاش، إن لم نقل كله، بشأن التركيبة الحكومية المقبلة، يلخص المصير القادم - جعله البعض حتميا - في حلم قيادة "حكومة المونديال".

كانت خارطة الوصول إلى سنة 2030، هي التي ترسم عند "علماء المستقبليات" الطريق نحو من سوف يصعد ومن سينزل، من سيتحالف مع من، من سيلتحق بالمعارضة ومن سيركب حافلة الأغلبية، بل تعيين أسماء خلف مقودها قبل سنوات من معرفة نتائج صناديق الاقتراع.

يوم الـ6 من مارس سنة 2025، نشرت مقالا في هذه الزاوية بعنوان: شافو ربيع "حكومة المونديال" ماشافو "الحافة".

مما جاء فيه: "سباق المسافات الطويلة يغري المتسابقين على حساب القصيرة، رغم أن الثانية هي صمام أمان بلوغ الأولى، دون التعرض لإصابات بالغة، تهدد الحالمين ببلوغ خط نهاية لم يجهزوا له اللياقة السياسية الكافية لضمان مواصلة الجري نحوه.

كيف؟

جائحة ضربت المغرب، مؤخرا، سببها فيروس تهافت متحور اسمه (حكومة المونديال). فيروس ينتج كل يوم طفرة ترفع حماة المتحكمين في تدبير الشأن العام، تنزع منهم حاستي الشم والذوق تجاه هموم الوطن والمواطن العامة، تجبرهم على حقن جرعات قياسية من المضادات الحيوية، ما يتسبب في ارتفاع أعراض هلوسات أحلام اليقظة الخاصة".

وأضفت في المقال ذاته: "يعم المغرب شعور أكيد أن هناك قناعة جماعية دون بوح بذلك. هي أن (حكومة المونديال) أصابت من يحملون صفة الساسة بسعار الهرولة بدون ضبط إيقاع الجري نحو 2030. أكاد أجزم أنهم كلهم، يشاؤون لو تطوى السنوات المقبلة، وتحل سنة كأس العالم، مع ضمان كنز الملايير التي سيفترش بها مضمار السباق.

إنهم يصارحوننا، اليوم، بأن كل الأعطاب التي يواجهها (لي هازين الدق) لا تهمهم".

انتهى الاقتباس من المقال السابق. لنمر لطرح السؤال في علاقة بما جاء فيه.

ماذا وقع ويقع اليوم؟

تأكد فعلا أن الحالمين بقيادة "حكومة المونديال" أمعنوا النظر تجاه كثافة ربيعها، دون الانتباه للحافة. هذه الأخيرة، أسقطت وتُسقط وسوف تواصل إسقاط من لم يجهزوا اللياقة السياسية الكافية لضمان مواصلة الجري مع الفرملة حين تتطلب الظروف ذلك.

أغفلوا وهم يهرولون أنهم سيحصدون ما زرعوه من أعطاب، مع تشبعهم بوهم أن "لي هازين الدق تاع بصح"، يعرضون طويلا عن اللهث وراء الغنائم مهما كانت الخسائر.

لم ينتبهوا جيدا للتحولات التي كانت تطرأ داخل المملكة في علاقة مباشرة وغير مباشرة تجاه حلفائها وخصومها، أيضا من يقف عند خطوط التماس مع الحياد أو السلبية.

حين كان الذين يجمعون بجشع مفرط بين غنائم السلطة والثروة يركزون كل جهودهم وتحضيراتهم للوصول إلى 2030 بأي ثمن، كانت الدولة تُحضر لسيناريو مختلف جدا.

تفاصيل تنزيله تم تدبيرها، مرة أخرى، وفق منهج السيادة المركزية لـ"المخزن" حين يتعلق الأمر بالقضية الوطنية الأولى.

نهاية الأسبوع المنصرم، استضافت العاصمة الإسبانية مدريد، برعاية أمريكية، لقاءً مباشرا جمع المغرب والجزائر و"البوليساريو" وموريتانيا، بحضور المبعوث الشخصي للأمم المتحدة لملف الصحراء، ستافان دي ميستورا.

لقاء يعد الأول من نوعه، بعد اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 الذي يكرس مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 كإطار أساسي للمفاوضات، معتبرا إياه الحل الأكثر جدية وواقعية للنزاع.

يأتي أيضا، عقب دعم الاتحاد الأوروبي للقرار الأممي، وسيلٍ من التحولات في مواقف عدد من الدول تجاه الوحدة الترابية للمغرب.

كل هذه التحولات، كما قلنا سلفا، تزيح أشياء وترفع أخرى، ومما سوف ترفع، عودة التركيز لحسم "سباق المسافات القصيرة".

ما هي؟

هي التي لم تعد، منذ أزيد من سنة، تحت رحمة الذين منحوا الثقة ليكونوا على متن حافلة الحكومة، خاصة سائقها.

هي: الدولة الاجتماعية وعدالتها، العيش الكريم، حقوق الإنسان، معالجة الفوارق الاجتماعية، إعادة الثقة في إمكانية ضمان شروط الحياة في البوادي، الصحة والتعليم والتنقل، معادلة الموازنة ما بين الأمن والاستقرار من جهة، وحرية التعبير وضمان قوت اليوم من جهة أخرى...

كل شيء مترابط، لذلك واهم من يعتقد أن هبة الدولة اليوم، بكل هذه النجاعة، بعيدا عن وجوه حكومة اليوم، لتدبير أزمة فيضانات ضربت الشريان الحيوي للمغرب، دون أن تتعطل الحياة تماما، مجرد صدفة.

هذه "بروفا" يتابعها العالم أجمع اليوم بإشادة كبيرة، مع محاولة فهم كيف يمكن لهذا البلد أن ينبعث من رحم مخاضات يستثمر أعداؤه في أن يكون قاتلا، للأم والجنين معا.

هل ستقف الأمور عند ما سبق؟

لا أعتقد.

يمكن أن تمتد هبة الدولة لما يسبق ويتجاوز موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إن هي نظمت في موعدها.

المغرب تخلص قبل سنة من أثقال ربط كل مصائره بسنة 2030.

الدولة تبنت سيناريوها ينهي أسطوانة "حكومة المونديال"، ليخرج لنا الحاجة الملحة اليوم لعزف لحن "حكومة الحكم الذاتي!"