سويسرا.. شعبٌ يمول استقلالية الصحافة ودولة تدعم نموها

أحمد مدياني
أحمد مدياني

اعتدت كلما سافرت في مهمة صحفية، سواء داخل المغرب أو خارجه، ألا يقتصر الإنتاج المهني على الحدث الرئيسي الذي تنقلت من أجله. وتعلمت من زملاء كثر، أبرزهم الأستاذ والزميل يونس خراشي، أن عنوان نجاح الحضور الميداني هو نقل تفاصيل لا يهتم بها الجميع.

شهر شتنبر من العام الماضي، كنت أجلس بمطعم وسط جنيف اعتدت ارتياده، تملكه سيدة روسية، ويسيره برتغالي اسمه بابلو، غالبا ما أوجه إليه طلبات بالدارجة، ليس لأنه يُتقنها، بل لأن تفاصيل وجهه مرسومة بملامح مغربية "قُحة"، تجعلك تنطق أمامه بلغتك الأم دون شعور، ويتكرر المشهد منذ التقيته أول مرة إلى اليوم.

في طاولة عن يميني، حيث تصل أشعة الشمس بالقدر الذي لا تزعج العين، وتضمن ضوءا كافيا لتكون الرؤية صافية واضحة دون الحاجة لمصباح قريب، جلس رجلٌ طاعن في السن، بظهر مقوسٍ، أمامه كأس نبيذ أحمر يتوسط كأسا آخر من الجعة وفنجان قهوة، يمسك بعدسة مكبرة، يتفحص جريدة قرأها من الألف إلى الياء.

قررت حينها أن ألتقط له صورة، حين أفرزت لحظات تأمل اللوحة التي كان يرسمها بالمكان سؤال: ما هي علاقة الشعب السويسري بالصحافة؟

لم أجب حينئذ، شيئ ما دفعني إلى أن أؤجل البحث عن التفاصيل مستقبلا، وكذلك حصل.

كيف؟

خلال سفري، نهاية فبراير المنصرم ومارس الجاري إلى سويسرا، لتغطية أشغال الدورة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان بقصر الأمم المتحدة، جاءت دعوة لركوب القطار والتوجه نحو زيورخ، حيث وقفت أمام صرح إعلامي عريق، يلخص الحكاية ككل.

كنت رفقة الصديق قاسم الغزالي الذي يمتاز بذكائه، ومعرفته الاستثنائية بكل شبر في المدينة (تاريخها... رموزها... ملاكها... تطور مصيرها...). كانت الساعات التي قضيتها في زيورخ، لم تصل حد يوم كامل، أقرب إلى جولة بين أحضان الماضي والحاضر تشعر أنها دامت أكثر من نصف شهر.

ما هو الصرح الذي يلخص الإجابة عن سؤال علاقة الشعب السويسري بالصحافة؟

كان المقر المركزي لصحيفة "Neue Zurcher Zeitung".

"مقر" وصف لا يليق بما أقف أمامه. فما نتكلم عنه معلمة تنتصب وسط المدينة، تضم وتحيط بها محلات وممتلكات تابعة للمؤسسة الإعلامية، تجعل من الحياة المهنية اليومية للعاملين بها جنة استقلالية.

مطاعم ومحلات تجارية وحانات وصالات رياضة ومرافق أخرى... توفر للصحافيين والمستخدمين داخل المؤسسة كل سبل إنجاز مهامهم بعيدا عن أي تأثيرات خارجية، حيث تكون فعلا حول بقاع العالم.

وأنا أتأمل هذه المعلمة، تذكرت مقرات مؤسساتنا الإعلامية التي يشبه مداخل بعضها أبواب السجون، والبعض الآخر حوانيت صغيرة، تفقدك حين وصولك إليها الرغبة في الإبداع.

ثم استفقت بسرعة، لمواصل الاستفادة من اللحظة، مع تجميع تفاصيل الإجابة عن السؤال المركزي.

في سويسرا، يبلغ عدد المؤسسات الإعلامية 1400 مؤسسة تشغل أكثر من 20 ألف صحافي وموظف ومستخدم، ويوجد على رأس هرمها ثلاث مجموعات كبرى هي: "Tx Group" و"Ringier" و"Ch Media".

هذه المؤسسة، تملك مجموعة منها 250 صحيفة ومجلة ورقية، تصدر باللغات الثلاث (الفرنسية، الألمانية والإيطالية)، بالإضافة إلى حوالي 300 وسيلة إخبارية على الإنترنت، 20 في المائة منها غير تابعة لأي من المؤسسات الكبرى أو التي توصف بـ"الصحف والقنوات التقليدية".

في سويسرا، نادرا ما تجد أكشاك بيع الجرائد، فما يباع عبرها يمثل فقط ما يقارب 12 في المائة من التوزيع.

لماذا؟

لأن الأجيال هنا تربت على ما يوصف بـ"اشتراكات العائلة لأجل صحيفة العائلة". اختيار الاشتراك يدخل ضمن تركة الإرث.

نعم، إذا نشأ الأطفال، مثلا، في زيورخ، داخل أسرة متشبعة بالأفكار المحافظة الليبرالية، سوف يتربون على التصفح اليومي لجريدة "Neue Zurcher Zeitung".

أما إن كانت النشأة في زيورخ داخل أسرة لها ارتباط بأفكار اليسار والعمل النقابي والمنظمات الاجتماعية، فسيكبر الأطفال داخل بيت الأسرة على اعتياد رؤية جريدة "Woz Die Wochenzeitung".

أما في جنيف، دائما داخل أسرة يسارية الهوى، ستجد الجريدة اليومية "Le Courrier" التي تحظى بدورها بدعم واسع من النقابات والحركات الاجتماعية، وتمول بالإضافة إلى مداخيل الاشتراكات، عبر تبرعات قرائها الدورية وحملات الدعم الموسمية. كما تجد المجلة الأسبوعية "Gauchebdo" المرتبطة بحزب العمل السويسري الشيوعي.

في سويسرا تُباع يوميا في المتوسط ما بين 2,5 و4,5 مليون نسخة من الجرائد والأسبوعيات، يقارب العدد سنويا 900 مليون إلى مليار نسخة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سكان الدولة بمقيميها لا يتجاوز حوالي 9 ملايين نسمة.

بالعودة إلى ثقافة "اشتراكات العائلة لأجل صحيفة العائلة"، نجد، مثلا، أن صحيفة "Tages - Anzeiger"، التي يصنف خطها التحريري ضمن توجهات اليسار المعتدل الذي يميل في بعض القضايا لأفكار الوسط الليبرالي، تتوفر لوحدها على أكثر من 100 ألف مشترك سنويا، وهذا الرقم يصعد ولا ينزل، حسب الأحداث التي تقع في سويسرا أو الاتحاد الأوروبي.

بالإضافة إلى جريدة "Le Temps" الناطقة بالفرنسية، و"Corriere Del Ticino" التي تصدر بالإيطالية، واللتين تحظيان، بدورهما، باشتراكات تعد بعشرات الآلاف.

نتحدث هنا فقط عما يتم توزيعه وبيعه، أما ما يوزع مجانا، مثل "20Minute" أكبر صحيفة سويسرية من حيث الانتشار، فيمكن ضرب كل الأرقام السابقة في الضعف وأكثر.

ورغم أن التقارير تشير إلى تزايد استقاء الأخبار من المواقع الإلكترونية، التي يبلغ عددها بسويسرا 300 كما ذكرنا سلفا، فإن الوفاء للورقي مستمر. إذ يشير آخر تقرير صادر عن معهد "رويترز لدراسة الصحافة" إلى أن 76 في المائة من سكان الدولة، يحصلون على الأخبار من الإنترنت.

وفي سياق علاقة السويسريين بإعلامهم، وجب ذكر أنهم يؤدون سنويا، حسب تقارير رسمية، رسوما لتمويل ودعم الإعلام العمومي، تصل إلى حدود المليار ونصف المليار فرنك، أي قرابة 2 المليار دولار، ما يعادل بالعملة المغربية حوالي 18 مليار درهم.

أما في ما يخص الإعلام الورقي الخاص، فإن الدولة توجه إلى مؤسساته دعما غير مباشر، تصل قيمته إلى ما بين 120 و150 مليون فرنك سويسري، بالدرهم المغربي يعادل ما بين 1,4 و1,7 مليار درهم.

أرقام تُلخص صلة العشق التي تجمع بين الرجل المسن والصحافة، داخل مطعم السيدة الروسية، حيث النادل البرتغالي الذي يشبه المغاربة فقط بملامحه.

قبل الختم، وجبت الإشارة إلى أسعار بيع الصحف والمجالات، وأيضا الاشتراكات السنوية. مع الأخذ بعين الاعتبار أنها تعد في سويسرا الأغلى مقارنة بباقي دول الاتحاد الأوروبي، بسبب تكاليف الطباعة والتوزيع والرواتب المرتفعة للصحافيين والمستخدمين.

*سعر الجريدة اليومية يتراوح ما بين 2,5 و4,5 فرنك (35 و48 درهما)؛

*المجلات الأسبوعية يصل سعرها إلى 6 فرنك (72 درهما)؛

*الاشتراكات السنوية في المطبوعات الورقية تتراوح ما بين 300 و600 فرنك (4700 و7100 درهم)؛

*الاشتراكات السنوية لدى اليوميات والأسبوعيات المتخصصة في الاقتصاد يصل إلى 700 فرنك (أكثر من 8000 درهم)؛

*الاشتراكات في النسخ الرقمية تتراوح ما بين 200 و300 فرنك (2360 و4130 درهما).

ولا تقف مداخيل المؤسسات الإعلامية عند حدود ما ذكر في هذا المقال، بل تسمح لها الدولة بحيازة العقارات الموجهة للاستثمار، وامتلاك أنشطة تجارية، وأيضا القيام بكل المعاملات المالية التي تنتج عنها أرباح.

أما متوسط دخل الصحافيين بسويسرا سنويا، فيصل لحدود ما بين 80 و115 ألف فرنك. مع تحديد حد أدنى لأجور الصحافيين المتدربين والمبتدئين يتراوح شهريا ما بين 6800 و9500 فرنك.

 هذا هو حال الإعلام في بلد حيث يمول الشعب استقلالية الصحافة وتدعم الدولة نمو مداخليها.