معضور يكتب: اختطاف الأطفال بين الجسدي و الافتراضي

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

من حين إلى آخر، تفجعنا أخبار اختطاف واختفاء الأطفال القاصرين أو الاعتداء عليهم جنسيا، كأننا غارقون في نوم جماعي عميق وفجأة نستيقظ لنشن سلسلة من الاستنكارات، ونكتب آلاف المنشورات حول الموضوع على الفايسبوك، نغضب، ونطالب السلطات المعنية بتوفير الحماية وإنزال أشد العقوبات على المعتدين، وبعد اختتام فعاليات مهرجان "الاستنكار الافتراضي"، نعود جميعا إلى روتيننا اليومي المعتاد، بخلاف أسر وأقارب الأطفال المختطفين أو المختفين، الذين لا تعود لديهم الأمور كما كانت في السابق!

مقابل هذه الظاهرة المقلقة، خصوصا عندما تكون متقاربة ومتكررة، والتي يجب أن يوضع حد لها، تغيب عن بالنا جميعا مسألة مهمة نتحمل فيها المسؤولية جميعا كأسرة ومجتمع. تتعلق باختطاف واختفاء قسري يومي في صمت يحدث لأطفالنا والقاصرين داخل بيوتنا وأمام أعيننا، وهو اختطاف "افتراضي" تمارسه مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والفيديوهات القصيرة على أطفالنا!

هذا الاختطاف "الناعم" لم يعد يمارسه مختل نفسي أو عقلي أو "بيدوفيل" في الأزقة المظلمة والدواوير البعيدة أو قرب المدارس، بل هو اختطاف يحصل بواسطة الهاتف أو اللوحة الذكية وربط بالإنترنت، ليدخل الطفل أو القاصر في عزلة تامة عن الأسرة والعالم، ويبحر في عوالم افتراضية غير مراقبة لساعات طويلة. لنكون هنا أمام "شبه جرائم" تمارس في حق أطفالنا دون أن ندرك حجم تأثيرها عليهم، فتؤدي بهم إلى كوارث نفسية وعقلية!

هذا النوع من الاختطاف، للأسف، يحدث بموافقتنا، إذ نجده وسيلة سهلة لإبقاء الطفل منشغلا أو للتسلية، والحقيقة أنه يفقد بالتدريج علاقته مع العالم الحقيقي الذي يوفر له تعلم العديد من المهارات الحياتية، ويقلل تواصله مع أفراد أسرته، ويعطل نموه السلوكي وذكائه الاجتماعي، ويجعله أسيرا لعالم افتراضي يفتقد فيه إلى استعمال كافة حواسه.

هذا النوع من "الاختطاف الافتراضي" لا يبدو في ظاهره عنيفا، ولا يصاحبه أي نوع من الاعتداءات الجسدية المباشرة المحتملة، لكنه مع مرور الوقت يحول أطفالنا إلى أجساد مرتبطة بهواتفها الذكية، ليست لها القدرة على التمييز، ولا تتوفر على ممانعة فكرية كالراشدين ضد الأفكار المسمومة التي تروج في مواقع التواصل الاجتماعي.

ليس المقصود هنا أننا يجب أن ننزل من قطار التطور الرقمي الذي يشهده المجتمع والعالم، بل المطلوب هو رقابة دائمة وخلق التوازن لدى أطفالنا في التعاطي مع التكنولوجيا الرقمية بشكل سليم، كي لا يفوتهم الركب وفي نفس الوقت لا تتشكل لديهم عوائق نفسية في مواجهة مناحي الحياة.

أطفالنا لا يحتاجون فقط إلى الحماية من الأخطار خارج البيت، بل أيضا إلى الحماية من العزلة الرقمية التي قد تخطف منهم طفولتهم في صمت!