تحقيق: "راه النفق هو اللي فضحنا"… مكالمات تكشف أسرار شبكة تهريب الحشيش إلى سبتة المحتلة (2)

منير أبو المعالي

لم يكن تفكيك شبكة تهريب الحشيش في سبتة نتيجة تحريات ميدانية فقط، بل جاء أساسا بفضل تسجيلات هاتفية دقيقة التُقطت في إطار التنصت القضائي، كشفت طريقة اشتغال التنظيم من الداخل. هذه المكالمات أظهرت كيف كانت الشبكة تُدار عن بعد، بلغة مشفرة وتعليمات مقتضبة، قبل أن يتحول “النفق” إلى نقطة ضعف قادت إلى انكشافها.

 

مكالمات تقود إلى قلب الشبكة

لم تكن محاضر الشرطة الإسبانية مجرد توثيق لتحركات ميدانية، بل تضمنت تسجيلات لمكالمات هاتفية قادت مباشرة إلى تفكيك بنية التنظيم، وكشفت دور مصطفى البروزي الشعيري، وهو مواطن مغربي، وموظف سابق في شركة "أمانديس" لتوزيع الماء والكهرباء بالفنيدق وحصل على تقاعد مبكر، كأحد أبرز العقول المدبرة داخل الشبكة.

هذه المكالمات، التي جرى التقاطها في سياق التنصت القضائي، ترسم صورة دقيقة لشبكة تشتغل بمنطق القيادة عن بعد، حيث كان البروزي يدير العمليات لحظة بلحظة، مستعملا لغة مقتضبة ومشفرة، تعكس حذرا شديدا من المراقبة.

 

لغة مشفرة وإدارة عن بعد

في إحدى المكالمات، التي تعود إلى مرحلة الإعداد لعملية نقل، يظهر البروزي وهو يطلب تأكيد الجاهزية بعبارة قصيرة: “واش كلشي واجد؟”، قبل أن يضيف: "ديرو الخدمة براحة وما يكون حتى مشكل". هذا النمط من الخطاب، بحسب المحققين، يعكس خبرة في إدارة شبكات التهريب، حيث يتم تجنب التفاصيل المباشرة والاكتفاء بإشارات مفهومة بين الأطراف.

 

تنسيق لحظي لتحركات القوافل

في مكالمة أخرى، أكثر دقة، يتابع البروزي تحرك القافلة، متسائلا عن موقع السيارة الأولى، ثم يطلب التأكد من أن “الدراجة قدّامهم”، في إشارة واضحة إلى عنصر الاستطلاع المكلف بتفادي الحواجز الأمنية. وتظهر هذه المحادثات أن التنسيق لم يكن مركزياً فقط، بل لحظيا، يعتمد على تحديث مستمر للمعطيات الميدانية.

 

“النفق”… نقطة التحول في التحقيق

غير أن أخطر ما كشفت عنه المكالمات، وفق ما ورد في المحاضر، هو حديث مباشر للبروزي عن “النفق”، الذي أصبح لاحقا محور التحقيقات. ففي إحدى المحادثات، التي جرت بعد تصاعد الضغط الأمني، يُسمع البروزي وهو يقول بنبرة قلق:

“راه النفق هو اللي فضحنا… ما خاصوش يبان بهاد الشكل”.

هذه العبارة، التي اعتبرها المحققون مفتاحا لفهم تطور القضية، تشير إلى أن الشبكة لم تكن تعتمد فقط على النقل البري والتخزين داخل المنازل، بل كانت تستعمل أيضا بنية تحت أرضية لتمرير الشحنات، وأن اكتشاف هذا النفق شكّل نقطة تحول في مسار التحقيق.

 

خطأ داخلي أم صدفة قاتلة؟

وتضيف نفس المكالمة أن البروزي عبّر عن انزعاجه من “الخطأ” الذي أدى إلى كشف النفق، ملمحا إلى أن الأمر لم يكن نتيجة عملية أمنية مباشرة، بل بسبب خلل داخلي أو ظرف غير متوقع. وهو ما يتقاطع مع معطيات أخرى في الملف تشير إلى أن بعض الأنشطة غير المحسوبة، مثل الحريق الذي اندلع في أحد المنازل، ساهمت في كشف جزء من الشبكة.

 

من الهجوم إلى الدفاع

في مكالمة لاحقة، يحاول البروزي احتواء الوضع، قائلا لأحد عناصره: “حبسو التحركات دابا… حتى نشوفو فين وصلات القضية”، في قرار يعكس انتقال الشبكة من وضع الهجوم إلى وضع الدفاع، بعد أن أدركت أن جزءاً من بنيتها أصبح مكشوفا.

 

سرية النفق داخل دائرة ضيقة

كما تكشف المكالمات أن الحديث عن النفق لم يكن متداولا بين جميع أفراد الشبكة، بل اقتصر على دائرة ضيقة، ما يعزز فرضية أن هذا المسار كان يُعتبر “خطاً استراتيجياً” عالي السرية. ففي معظم المكالمات الأخرى، يتم الاكتفاء بالإشارة إلى “الطريق” أو “المدخل”، دون ذكر تفاصيل.

 

وعي بالمخاطر ومحاولات التدارك

وتظهر هذه التسجيلات أن البروزي كان يدرك حجم المخاطر المرتبطة بالنفق، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضاً من حيث إمكانية تتبعه تقنياً. ففي إحدى العبارات، يشير إلى ضرورة “تبديل الطريقة” وعدم الاعتماد على نفس المسار، في محاولة لتفادي تكرار الأخطاء.

 

لحظة انهيار شبكة محكمة

في المجمل، تقدم هذه المكالمات صورة واضحة عن لحظة مفصلية في نشاط الشبكة، حيث انتقلت من مرحلة التنظيم المحكم إلى مرحلة الارتباك، بعد أن أدى اكتشاف النفق إلى كشف جزء من بنيتها. وهي لحظة تكشف، في الوقت ذاته، حدود هذا النوع من الشبكات، التي رغم احترافها، تبقى معرضة للانكشاف بسبب خطأ واحد أو تسريب غير محسوب.

وبين التعليمات المقتضبة، واللغة المشفرة، والقلق الذي بدأ يتسلل إلى نبرة الصوت، تتشكل ملامح قصة شبكة كانت تشتغل في الخفاء، قبل أن يكشفها “نفق” لم يكن مجرد ممر تحت الأرض، بل خيطا قاد المحققين إلى تفكيك واحدة من أكثر عمليات التهريب تعقيداً في سبتة.