معضور يكتب: عزوف " الزواج" عن الشباب

تيل كيل عربي

بقلم:  يوسف معضور

لم يعد اليوم يطرح سؤال، لماذا يعزف الشباب عن الزواج؟ بل أصبح بصيغة أخرى، لماذا يعزف "الزواج" عن الشباب؟ هذه الصورة الساخرة ليست مجرد انطباع فقط، بل صارت مدعومة بأرقام رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تكشف أن مفهوم الزواج فعلا لم يعد في أفضل حالاته داخل المجتمع المغربي.

المعطيات الحديثة لدراسة قامت بها للمندوبية، تشير إلى تحولات عميقة طالت الزواج كمؤسسة، حيث أصبح يتقدم بخطى مترددة، حيث أبرزت نتائج البحث تراجعا ملحوظا في نوايا الزواج، حيث إن 51,7 في المائة من العزاب لا يرغبون في الزواج، مقابل 40,6 في المائة فقط يبدون رغبتهم فيه، وهو رقم يعكس اتساع دائرة التأخر أو العزوف عن الارتباط، كما أن ظاهرة " العزوبة الدائمة" لم تعد استثناءا، بل أصبحت مؤشرا متناميا، ما يعكس تحولات في أنماط العيش والاختيارات الاجتماعية.

هذه الأرقام تخفي وراؤها واقعا معقدا يرتبط بتأجيل الزواج أو عدم تحققه أساسا لدى فئات واسعة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى هشاشة المؤسسة الزوجية نفسها، ما يعكس تغيرا في نظرة الأفراد إلى الاستمرار داخل العلاقة الزوجية، وهو مؤشر قد يساهم في إعادة تشكيل بنية الأسرة المغربية مستقبلا.

ربما نحن أمام مؤسسة اجتماعية تدعى الزواج، تعيش حالة إعادة تعريف للمفهوم، وتعرف كذلك تقلصا في الإقبال، ارتفاع في التفكك، وتحول في منظومة القيم المرتبطة بها ككل، فالزواج لم يعد ذلك المسار الطبيعي الذي يمر منه الجميع، بل بات خيارا معقدا تحكمه شروط اقتصادية واجتماعية ونفسية متداخلة فيما بينها واختيارات فردية.

وتغير في الأولويات، حيث أصبح أغلبية الشباب يعطون أهمية أكبر لتحقيق الذات، الاستقلالية، استكمال المسار الدراسي والحصول على فرص شغل، كلها أشياء فُرضت كأولويات، وبالتالي الأمر يساهم في تأجيل فكرة الزواج إلى حين تحقيق الاستقرار وهذا الاستقرار أحيانا يبقى صعب التحقيق.

هناك أيضا التحولات الاجتماعية التي خلقت نوعا من إعادة التفاوض حول فكرة الزواج وشروطه، وأحيانا يجعل التوافق حوله أصعب، ولم يعد ينظر إليه كضمان للاستقرار، بل كمغامرة من المحتمل أن تتعرض للفشل.

في هذا السياق، يمكن القول بأن الزواج هو من يعزف عن الشباب، لأنه يواجه اليوم واقعا جديدا لا يشبه ما كان عليه قبل سنوات، واقع شكله أيضا التطور الرقمي الذي جاء لنا بنماذج وأنماط عيش جديدة ساهمت في تشكلها مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بدورها في اتساع رقعة المقارنات في مستويات العيش لدى فئة الشباب.

أعتقد أننا نعيش أزمة نموذج لم يعد يقنع، ولا يواكب، ولا يضمن الحد الأدنى من الطمأنينة في عالم سريع التحول، بشكل مهول وإذا استمر هذا الشرخ بين الواقع والتوقعات فقد نجد أنفسنا قريبا أمام جيل لا يرى في الزواج مشروعا مؤجلا، بل عبئا مؤجلا أو حتى اختيار فردي، تؤكده ضغوطات الحياة، تغير الأولويات، انتشار ثقافة الفردانية، وتراجع الاستقرار، حتى أصبح الارتباط نفسه في موقف دفاعي، يبحث له عن شروط جديدة للبقاء على " قيد العقود" عقود الزواج.