حسن الفد.. حين يفكر الكوميدي بصوت عال

تيل كيل عربي

بقلم: نزهة صادق

في الزمن الذي أصبحت فيه السرعة بديلاً عن الفهم، والضجيج بديلاً عن التفكير، صار من الطبيعي أن يتحول أي عمل عميق إلى هدف لسوء القراءة والأحكام السطحية. وهذا تماماً ما حدث مع الفنان الكبير حسن الفد بعد صدور كتابه الأخير “هَرْكَاوة”، حيث تحوّل النقاش حول العمل من محاولة لفهم أبعاده الفكرية والإنسانية إلى سلسلة من الهجمات والاختزالات التي كشفت، في الحقيقة، أزمة القراءة أكثر مما كشفت أزمة العمل نفسه.

حسن الفد ليس مجرد فنان كوميدي، بل مشروع فني وفكري قائم بذاته. رجل استطاع أن يحوّل تفاصيل الحياة المغربية اليومية إلى مختبر إنساني حي، وأن يجعل من الشخصيات البسيطة مرآة عميقة للمجتمع بكل تناقضاته وأسئلته وعبثه وجماله في الوقت نفسه.

ولعل المشكلة الحقيقية ليست في ما يكتبه أو يقدمه، بل في الطريقة التي يصرّ البعض على فهمه بها، وكأن الفن يجب أن يبقى دائماً سطحياً، مباشراً، خفيفاً، بلا طبقات ولا رموز ولا احتمالات للتأويل.

الكثير ممن هاجموا حسن الفد بعد كتابه لم ينتبهوا إلى أن “هَرْكَاوة” ليس مجرد عنوان ساخر أو لعبة لغوية، بل محاولة لتفكيك شخصية مغربية معقدة، شخصية تتحرك بين الذكاء والعبث، بين الطيبة والانتهازية، بين الضحك والألم، بين البساطة والفوضى.

هي ليست إدانة للإنسان المغربي كما حاول البعض تصويرها، بل محاولة لفهمه من الداخل، بكل هشاشته وتناقضاته، لأن الإنسان الحقيقي لا يكون نقياً بالكامل ولا فاسداً بالكامل، بل خليطاً مستمراً من التحولات.

حتى شخصية “كبور” التي اختزلها البعض في مجرد أداة تجارية أو شخصية للترفيه، لم يفهم كثيرون أن حسن الفد كان يستعملها كمدخل فلسفي وفني لفهم المجتمع.

فـ”كبور” ليس شخصية مضحكة فقط، بل كائن اجتماعي يحمل داخل لغته وتصرفاته وارتباكه وأسئلته صورةً عن مغرب كامل يتحرك بين التقليد والحداثة، بين الرغبة في التغيير والخوف منه، بين الذكاء الشعبي والفوضى اليومية.

لقد جعل حسن الفد من هذه الشخصية مساحة للتأمل في الإنسان المغربي، لا للسخرية منه فقط.

المؤسف أننا ما زلنا نعيش داخل ثقافة تهاجم المختلف بدل أن تفهمه، وتخاف من العمق بدل أن تناقشه. يكفي أن يكتب فنان كتاباً أو يعبر عن فكر راقٍ حتى يبدأ البعض في السخرية، وكأن الإبداع يجب أن يبقى محصوراً داخل قفص واحد.

الواضح أيضاً أن الكثيرين يكتبون ويتحدثون دون أن يصدقوا الحكاية نفسها، بينما الحكاية الحقيقية يجب أن تُعاش قبل أن تُكتب. فالكلمات ليست زينة، بل وعاء للمعنى، والفكر الحقيقي ليس ضجيجاً، بل أثر يتركه الإنسان خلفه.

ومن أكثر الأمور إثارة للدهشة أيضاً ذلك النوع من الانتقادات التي حاولت نزع الشرعية عن حسن الفد بحجة أنه “ليس سوسيولوجياً” أو “لا يملك الحق” في تحليل المجتمع أو الكتابة عنه. وكأن فهم الإنسان والمجتمع أصبح امتيازاً مغلقاً لا يحق الاقتراب منه إلا لمن يحمل بطاقة أكاديمية معلّقة على الجدار.

بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالسوسيولوجيا في جوهرها ليست مجرد لقب جامعي، بل هي قبل كل شيء عملية دقيقة لفهم المجتمع وتشريح تناقضاته وتحولاته وأسئلته. أصلها نفسه قائم على تفكيك البنيات الاجتماعية وقراءة الإنسان داخل تفاصيل حياته اليومية، بكل ما تحمله من رموز وهشاشة وصراع ومعنى.

ولهذا فكل إنسان يمتلك أدوات الملاحظة، والحس النقدي، والقدرة على التقاط المعنى، سواء كانت هذه الأدوات مكتسبة بشكل أكاديمي أو عبر التجربة الحياتية والثقافية، يظل من حقه أن يكتب ويحلل ويعبر ويقترح رؤيته للعالم.

الفن نفسه كان دائماً شكلاً من أشكال السوسيولوجيا العميقة. الرواية، المسرح، السينما، الكوميديا، كلها كانت عبر التاريخ أدوات لفهم المجتمعات أكثر مما كانت مجرد وسائل للترفيه. ولهذا لم يكن حسن الفد يقدّم نكات معزولة عن الواقع، بل كان يشتغل على الإنسان المغربي باعتباره مادةً إنسانية وثقافية معقدة تستحق التأمل.

ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أولئك الذين يملؤون الفضاء بالحديث المتكرر عن “السوسيولوجيا”، ماذا كتبوا فعلاً؟ ماذا غيّروا؟ ما هي الإضافة الفكرية أو الإنسانية التي تركوها؟

الكثير من هذا الضجيج لا يتجاوز في النهاية نقاشات عابرة على صفحات الفيسبوك، تبحث عن أكبر عدد من الإعجابات أكثر مما تبحث عن المعنى الحقيقي. وكأن الرسالة الخفية التي يرددها البعض لأنفسهم هي:

“I don’t like myself, so I’m looking for likes from Facebook.”

وهنا تتحول المعرفة من مشروع للتفكير إلى مجرد استعراض رقمي، ويتحول النقاش من محاولة لفهم المجتمع إلى سباق افتراضي نحو التصفيق السريع والانفعالات المؤقتة.

بينما الفكر الحقيقي لا يقاس بعدد “اللايكات”، بل بالأثر الذي يتركه داخل الوعي الإنساني، وبالأسئلة التي يوقظها، وبقدرته على جعلنا نرى أنفسنا والعالم بطريقة مختلفة وأكثر صدقاً وعمقاً.

البعض أيضاً حاول اختزال النقاش في فكرة أن حسن الفد هاجر إلى كندا، وكأن مجرد العيش خارج البلاد يلغي حق الإنسان في نقد بعض الظواهر أو الشخصيات أو التناقضات داخل مجتمعه الأصلي.

لكن هذا الطرح يكشف فهماً ضيقاً جداً لمعنى الانتماء نفسه. فالهجرة ليست خيانة للمكان، بل قد تكون أحياناً بحثاً عن أفق يسمح للإنسان بأن يتنفس ويبدع ويرى العالم من زوايا أخرى. لكل واحد غربته الخاصة، ولكل إنسان أسبابه التي تدفعه إلى الرحيل أو العودة أو العيش بين أكثر من عالم. وهذا حق إنساني راقٍ لا يجب أن يتحول إلى تهمة أخلاقية.

ثم إن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل معنى نحمله معنا أينما ذهبنا. قد يعيش الإنسان خارج بلده سنوات طويلة، لكنه يظل مرتبطاً به فكرياً وروحياً أكثر من أشخاص يعيشون داخله دون أي إحساس حقيقي به.

القضية ليست أين يعيش الإنسان، بل ماذا يضيف للناس وللحياة وللوعي الجماعي.

والمفارقة أن بعض الأصوات اختارت التركيز على الجوانب المادية أو الشخصية، وكأن القيمة الوحيدة التي يمكن قياس الإنسان بها هي المال أو مكان الإقامة، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول المفسدين الفعليين الذين سرقوا أحلام أجيال كاملة، ونهبوا الثروات، وحوّلوا مستقبل الناس إلى حسابات بنكية بعيدة.

لكن لأن مواجهة المعنى الحقيقي للفساد تحتاج إلى شجاعة فكرية وأخلاقية، يصبح من الأسهل مهاجمة فنان أو كاتب فقط لأنه اختار أن يفكر بصوت عالٍ.

نحن اليوم لا نحتاج إلى تحطيم المبدعين الحقيقيين، بل إلى امتلاك الجرأة لمواجهة الهركاويين الحقيقيين، والسفسطائيين الجدد، وتجار الوعي والدين الذين يقتاتون على خوف الناس وجهلهم، ويحوّلون الأسئلة العميقة إلى معارك سطحية فارغة.

وعندما يصبح الإبداع لغة، نصبح قادرين من خلاله على التعبير عن انتقالنا بين مستويات ثقافية مختلفة، وعلى إعادة صياغة المعنى والإنسان والواقع من جديد.

حينها فقط تبدأ الحكاية… وحينها فقط سيكون لحكايتنا رأي آخر.