في "صرخة معرفية" أطلقها من رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز، دعا عالم الاجتماع جمال فزة إلى ضرورة إعادة الاعتبار لـ"سؤال المعنى" باعتباره أداة استراتيجية لمقاومة تمدد "منطق السوق"، الذي – بحسبه – استلب كينونة الإنسان وحوله من فاعل اجتماعي إلى مجرد "زبون" داخل فضاء استهلاكي شاسع.
ومن هذا المنطلق، اقترح فزة تأسيس ما أسماه بـ"الإنسانيات الشعبية"، وهي رؤية تسعى إلى أن تكون درعا واقيا للهوية والمجتمع، عبر نقل البحث العلمي من الانكفاء على "الإشراقات النخبوية" إلى الغوص في "المخيال الشعبي"، وتثمين ثقافات السلام والبيئة التي تنتجها المجتمعات العادية في حياتها اليومية.
المعنى المفقود
وكشف فزة، في مداخلته خلال ندوة احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس تحت عنوان "العلم والمجتمع.. من أجل التقريب بين المنظومتين"، عن مراجعة موقفه من موقع السوسيولوجيا، إذ أوضح أنه كان يرى في السابق أن مكانها الطبيعي هو كليات الحقوق والاقتصاد، بالنظر إلى نشأتها في خضم صراعات العلوم السياسية والقانونية في أوروبا، قبل أن يستقر لديه اليوم قناعة بأنها تنتمي أكثر إلى كلية الآداب باعتبارها موطنها الحقيقي.
وأورد صاحب كتاب "بؤس السوسيولوجيا"، أن هذا التحول نابع من تغير "المحور" الذي يدور حوله المجتمع، فبعد أن كانت "المسألة الاجتماعية" المرتبطة بالشغل والطبقات المهنية هي المحرك الأساسي، أصبحنا اليوم نعيش زمنا ينفصل فيه الثقافي عن الاجتماعي، وتبرز فيه قضايا "الهوية" و"المعنى" كإشكالات مركزية.
وشخص فزة ما اعتبره "أزمة خانقة" يفرضها منطق السوق، حيث لم يعد البشر يعرفون كأشخاص بل كـ"زبناء" داخل فضاء استهلاكي واسع، وفي عالم يسوده الاستهلاك المفرط، يضيع "المعنى"، وهو ما يجعل كليات الآداب والعلوم الإنسانية واللغويات والفنون مطالبة، وفق تصوره، بالاضطلاع بدور الباحث الأخير عن هذا المعنى المفقود، حماية للإنسان من التلاشي داخل منطق السوق.
ليس وظيفة الكليات الارتباط المباشر بالسوق
ولفت إلى أن كليات الآداب تواجه في المغرب مأزقا طبقيا ومؤسساتيا، إذ تعاني من محدودية الميزانيات مقارنة بكليات العلوم أو الحقوق، ما يدفع البعض إلى المطالبة بإخضاع العلوم الإنسانية لمعايير السوق من أجل الحصول على موارد أكبر، غير أن هذا التوجه، يضيف فزة، يعد "منزلقا خطيرا"، لأن وظيفة هذه الكليات ليست الارتباط المباشر بالسوق، بل فهم الإنسان في علاقته وتفاعله مع هذا السوق.
وفي السياق ذاته، طرح فزة مفهوما سماه "الإنسانيات الشعبية"، موضحا أنه بدلا من الاقتصار على دراسة "الإشراقات الاستثنائية" لشخصيات فكرية بارزة، ينبغي التوجه نحو "المخيال الشعبي" ودراسة الثقافات البيئية وثقافات السلام التي تنتجها المجتمعات العادية.
وأورد أن الابتعاد عن "الشعب" في البحث العلمي أدى إلى فراغ معرفي ملأته أشكال من العنف و"الشعبوية"، لذلك فإن المطلب الراهن، بحسبه، هو "تثمين الشعبي" (valorisation du populaire) بدل الهروب منه، بما يجعل العلوم الإنسانية أداة لفهم المجتمع وحمايته من آليات الهيمنة.
التكالب على السوسيولوجيا
وأوضح السوسيولوجي جمال فزة أن هناك "تكالبا" معرفيا متزايدا على علم الاجتماع في الوقت الراهن، لدرجة أن "الكل أصبح سوسيولوجيا"، على حد تعبيره.
وأشار إلى أن هذا الإقبال لا يقتصر على المتخصصين، بل يمتد إلى مجالات أخرى مثل الدراسات الإسلامية، حيث أصبح بعض المشتغلين فيها يقدمون أنفسهم كسوسيولوجيين.
ويرى فزة أن هذا الاهتمام المتزايد لا يعود بالضرورة إلى جاذبية الأدوات التحليلية للسوسيولوجيا، بقدر ما يرتبط بكونها أصبحت تنظر إليها كعلم "قريب من السوق"، ما يسهل استقطاب التمويل من المنظمات المانحة وإنجاز الدراسات الميدانية، وهو ما أدى إلى تسابق العديد من الفاعلين للحديث باسمها وتحت غطائها.
خطر البعد التقني
وفي رده على الخطابات التي تدعو إلى ترك "النظري" والاتجاه نحو "التقني والتطبيقي"، شدد على أنه "لا وجود لتطبيق بدون نظرية"، موضحا أن العلم يتطور حتى يصل إلى مرحلة "نظرية خالصة" تتحول لاحقا إلى تكنولوجيا، باعتبار أن التكنولوجيا في جوهرها ليست سوى "نظرية مطبقة".
ونبه إلى أن الدعوة إلى الاكتفاء بالبعد التقني هي، في العمق، دعوة إلى تحويل المجتمع إلى مجرد "مستهلكين"، واختزال السلوك البشري في وظائف وحاجات، في حين أن الإنسان كائن يتحرك داخل فضاء وجداني ودلالي أوسع بكثير، وهو الفضاء الذي تشتغل عليه كلية الآداب.
وشدد على ضرورة إعادة تعريف "الثقافة" والوظائف المؤسساتية للجامعة، مشيرا إلى أنه إذا كانت الحفريات التاريخية قد أثبتت أن المغرب يعد من أقدم مناطق ظهور الإنسان، فإن الطموح الفكري المعاصر يتمثل في أن يكون المغرب "بلدا يحضر فيه الإنسان" بقيمته وكرامته ومعناه الكامل.