بعد أيام من كشف "تيلكيل عربي" عن توجه داخل حزب الاستقلال نحو اقتراح إحداث شركات وطنية وجهوية متخصصة في توزيع المواد الغذائية الأساسية لمواجهة الغلاء و"الفراقشية"، خرج الأمين العام للحزب، نزار بركة، لتقديم تصور أكثر تفصيلا لهذا المقترح، معتبرا أن تراجع القدرة الشرائية للمغاربة يفرض مراجعة جذرية لمسالك توزيع وتسويق المواد الأساسية، والاستفادة من تجارب دولية اعتمدت تدخلا مؤسساتيا لتنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع وضمان وصول المنتجات إلى المستهلكين بأثمان أكثر عدالة.
سلاسل الإنتاج والتوزيع
وجاء في كلمته خلال اللقاء الرابع الذي عقدته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بالدار البيضاء، تحت عنوان: "حماية الأسر المغربية من الغلاء التصاعدي للمواد الأساسية: آليات مؤسساتية وإجراءات مواطنة"، أن "التجارب المقارنة في عدد من الاقتصاديات، سواء المتقدمة أو الصاعدة، ومن مختلف القارات، تفيد أن تدبير سلاسل توزيع وتسويق المواد الغذائية الأساسية لم يعد متروكا بشكل مطلق لتقلبات السوق ومنطق العرض والطلب، أو خاضعا لقرار الوسطاء، وإنما أصبح موضوع تدخلات مؤسساتية نوعية ومتوازنة، تقوم على إرساء آليات أكثر نجاعة لتجميع المنتجات وتخزينها وتسويقها وتوزيعها، بما يضمن انتظام التموين ويحد من الاختلالات التي قد تؤدي إلى ارتفاعات غير مبررة في الأسعار أو إلى ممارسات احتكارية ومضاربات ظرفية تمس القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين".
وأضاف أن "نماذج مؤسساتية متعددة أثبتت نجاعتها، تقوم على إحداث شركات متخصصة عمومية أو ذات رأسمال مختلط، أو في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص، تضطلع بمهام تنظيم بعض سلاسل الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالمواد الفلاحية والغذائية ذات الحساسية العالية بالنسبة للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي".
"استعادة الدولة لزمام الأمور"
وتابع: "لا يتعلق الأمر هنا بعملية تقنين الأسعار، أو دخول القطاع العام في منافسة مع الفاعلين الاقتصاديين أو الحلول محل القطاع الخاص، كما قد يدعي البعض، وإنما يكمن الرهان في استعادة الدولة لزمام الأمور من بين أيدي الجشع والافتراس الليبرالي، والاضطلاع بدورها السيادي كفاعل مؤسساتي من أجل تحسين شروط المنافسة، وتقليص عدد الوسطاء غير المنتجين للقيمة، وتعزيز الشفافية في مسالك التسويق، وتطوير قدرات التخزين واللوجستيك، خاصة في الفترات التي تعرف اضطرابات مناخية أو تقلبات في الأسواق".
وأشار إلى أن "التفكير في إحداث شركات وطنية أو جهوية متخصصة في تسويق وتوزيع بعض المواد الغذائية الأساسية يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لإعادة التوازن إلى بعض السلاسل التي تعرف تشتتا في قنوات التوزيع وارتفاعا في كلفة الوساطة، ويمكن لهذه الشركات، وفق حكامة دقيقة وشفافة، أن تعتمد آليات الشراء المباشر من المنتجين أو التعاونيات، وأن تستثمر في منصات التخزين والنقل المبرد والأسواق اللوجستيكية الحديثة، بما يساهم في تقليص ضياع وهدر المواد والمنتجات الغذائية، وضمان استمرارية التموين، والحد من الفوارق الكبيرة بين أسعار الإنتاج وأسعار الاستهلاك".
مرصد وطني لتتبع تطورات هوامش الأرباح بالنسبة للمواد الأساسية
وشدد على أن "نجاح مثل هذا التوجه يقتضي إرساء منظومة هيكلية متعددة الأبعاد، تشمل توفير مخزون استراتيجي للمواد الأكثر استهلاكا بحسب المواسم والمناسبات، وكذا تعزيز أنظمة تتبع الأسعار، وتطوير آليات اليقظة الاقتصادية والرقمية للرصد الفوري للاختلالات، بما يضمن تدخلا استباقيا عند الحاجة، ويحافظ على توازن السوق دون المساس بدينامية الاستثمار والمبادرة الحرة، مع حماية القدرة الشرائية وتحصين الأمن الغذائي الوطني في مواجهة التقلبات والأزمات".
وذكر أن "الأمر يتعلق أساسا بوضع آليات لضمان شفافية الأسعار في كل مراحل التسويق، من ثمن بيع الفلاح إلى سوق الجملة ثم إلى البيع بالتقسيط، وإحداث مرصد وطني لتتبع تطورات هوامش الأرباح بالنسبة للمواد الأساسية، كما أنه من الضروري تفعيل إصلاح أسواق الجملة لتحسين فعاليتها وعصرنتها وتطويرها لكي تقوم بدورها في تنظيم سوق الخضر والفواكه، وينبغي كذلك مراجعة وتطوير التأمين الفلاحي، خصوصا أن سنوات الجفاف الأخيرة أبانت عن محدودية النموذج، وأن التأمين الفلاحي ضد التقلبات المناخية أصبح أمرا ضروريا مع التكرار المتزايد للظواهر المناخية القصوى".
كوطا خاصة للسوق الداخلية
وأورد أن "المغرب القوي هو المغرب الذي ينتج أكثر، ويوزع بعدالة أكبر، ويحمي مواطنيه أكثر، فلاح بدخل أفضل، وأسرة بقدرة شرائية أقوى، ووطن بسيادة غذائية أمتن، أما اليوم فالمستهلك مضغوط، بينما تضيع القيمة في الوسط الذي تتحكم في بعض الفاعلين فيه ثقافة الجشع والهمزة، والإصلاح الحقيقي هو أن ننتقل من اقتصاد الغموض إلى اقتصاد الشفافية، ومن منطق الريع إلى منطق القيمة، ومن سوق يتحمل المواطن اختلالاته إلى سوق يخدم المواطن والفلاح والوطن، لذلك رسالتنا واضحة: لا نريد اقتصادا يختار بين الفلاح والمستهلك، بل نريد اقتصادا ينتصر لهما معا".
ومما اقترحه نزار بركة "العمل على ضمان السيادة الغذائية، خاصة في المواد الأساسية، باستثمار أفضل للإمكانيات المائية المتوفرة، خصوصا أنه من خلال السياسة المائية المعتمدة ستتم مضاعفة الإمدادات المائية الموجهة للسقي، على أن نضمن مستقبلا ما لا يقل عن 80 في المائة من مياه السقي بفضل السدود المشيدة وتحلية المياه والاقتصاد في الماء والتدبير العقلاني المندمج للفرشات المائية".
ولفت إلى أن "السيادة الغذائية تتطلب كذلك تخصيص كوطا خاصة للسوق الداخلية لهذه المنتجات الأساسية، فيما يمكن توجيه الباقي للتصدير، مع دعم المدخلات الأساسية، عند الضرورة، في بعض سلاسل الإنتاج الموجهة للسوق الداخلي، والسيادة الغذائية لا تتحقق فقط بالإنتاج، بل عندما نضمن أن يصل هذا الإنتاج إلى المواطن بثمن عادل، وأن يحصل المنتج على دخل كريم".
وأكد أن الحزب ليس هدفه "التحكم الإداري في الأسعار، لقد علمتنا التجارب أن الحلول السهلة ليست دائما الحلول الصحيحة، لا أحد يستطيع أن يتحكم في الأمطار، ولا أحد يستطيع أن يعزل بلده عن اضطرابات الأسواق الدولية، لكن ما نستطيع القيام به هو إصلاح ما يوجد داخل بيتنا، نستطيع محاربة الريع، وتقليص الهدر، وتنظيم الأسواق، وحماية المواطن والفلاح معا".
وأضاف: "إن مفهومنا للثمن العادل بسيط، ليس ثمنا يضغط على الفلاح حتى يضطر إلى ترك أرضه، وليس ثمنا يرهق الأسرة حتى تفقد قدرتها الشرائية، الثمن العادل هو الذي يعطي لكل طرف حقه: الفلاح مقابل عمله، والموزع مقابل خدمته، والمواطن مقابل ثقته، أما الريع فلا مكان له في مغرب العدالة والإنصاف، ولذلك، لمعالجة هذه الوضعية التي أصبحت ملحة وغير قابلة للتأجيل".