مجلس التعليم يحذر من اختزال إصلاح الجامعة في التقسيم ويدعو إلى مخطط مديري ملزم

خديجة عليموسى

سجل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عددا من الملاحظات العامة والهيكلية على مشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية، معتبرا أن الوثيقة المحالة عليه، رغم استحضارها بعض مفاهيم الإصلاح كما تحددها المرجعيات القانونية والاستراتيجية، تظل في جوهرها محكومة بمقاربة جزئية تقنية، لا تعكس بشكل كاف الطابع النسقي والتحولي للإصلاح.

ولفت المجلس، في رأيه بشأن مشروع "مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية: المرتكزات، والرؤية، ومنهجية التنزيل"، إلى أن مراجعة الخريطة الجامعية العمومية، القائمة على مقاربة جزئية تنحصر في تقسيم عدد من الجامعات العمومية الكبرى، لا تكفي لتأسيس إصلاح شامل لمنظومة التعليم العالي، ما لم يتم إدراجها ضمن تصور أوسع يعالج كل أسباب الاختلالات القائمة.

واعتبر أن المشروع، الذي جاء بتدابير تسعى إلى معالجة مشكلة الاكتظاظ وإعمال العدالة المجالية عبر تقسيم عدد من الجامعات العمومية الكبرى، يمثل مكونا من بين مكونات أخرى لازمة لتحقيق الإصلاح الشامل المنشود لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

غير أن المجلس أشار إلى أن نجاح هذا التدبير نفسه يظل رهينا بتوفير جملة من المستلزمات الكفيلة بتحقيق أهدافه المعلنة، وفي مقدمتها وضع خطة لمواكبة الجامعات المحدثة، خصوصا منها التي لا تتوفر على عرض تكويني متنوع يرقى إلى عرض جامعي حقيقي.

ودعا المجلس، في السياق ذاته، إلى تسطير برنامج لتنمية الخدمات المواكبة، من أحياء جامعية، ومرافق رياضية وثقافية وفنية وترفيهية وخدماتية، تجعل من الجامعة فضاء ذا جاذبية، وحاضنا لحياة جامعية حقيقية.

وأوصى بتوسيع التقسيم المقترح لتقليص حجم بعض الجامعات الكبرى التي ظل عدد طلبتها يتعدى، بفارق كبير، متوسط العدد المنشود، المحدد في حوالي أربعين ألف طالب، حسب الوثيقة المذكورة.

ومن بين المستلزمات التي توقف عندها المجلس أيضا، إصدار النصوص القانونية اللازمة لتنفيذ مشروع الخريطة الجامعية المقترحة، الذي يمتد تنفيذه ما بين سنتي 2026 و2028، وإضفاء الطابع الإلزامي عليه.

وفي ما يتعلق بمنطق التدرج الزمني، لاحظ المجلس أن الوثيقة تعتبر مراجعة الخريطة الجامعية مرحلة أولى ضمن مسار إصلاحي، غير أنها لا تحدد المراحل اللاحقة، ولا توضح كيفية الانتقال بينها، أو الإطار الذي سيضمن انسجامها.

ونبه إلى أن الوثيقة المعروضة عليه ليست مشروعا لنص تشريعي أو تنظيمي يضمن استدامة توجهاتها، ويلزم السلطات العمومية مستقبلا.

وسجل، في مفهوم الإنصاف المجالي، أن الوثيقة تولي أولوية حصرية لتحقيق الإنصاف المجالي وتقريب الجامعة من الطلبة، وهو اختيار وصفه بالوجيه، غير أن هذا التركيز لا يوازيه اهتمام مماثل بكل متطلبات الجودة والنجاعة، وضمان الشروط اللازمة لبزوغ جامعات تستجيب لهذه المتطلبات.

وبخصوص البعد المجالي والبعد النسقي، ذكر المجلس أن الوثيقة تربط مشروع مراجعة الخريطة الجامعية بالاستجابة للحاجيات الاقتصادية والمهن الجديدة، دون أن تقدم آليات دقيقة لتحقيق هذه الملاءمة، ومنها تبني مقاربة قائمة على البناء المشترك مع الجامعات والفاعلين على الصعيد الترابي.

وأشار إلى أن المقاربة المعتمدة في الوثيقة تظل، في جوهرها، محكومة بمنطق تدخلي جزئي، يركز على إعادة توزيع البنيات في المجال، دون أن يندرج، بشكل واضح، ضمن تصور نسقي متكامل، أو أفق استشرافي محدد المعالم في إطار مخطط مديري للتعليم العالي.

ودعا المجلس إلى تفعيل الاستقلالية الإدارية والبيداغوجية والمالية للجامعات، لكي تتمكن من الاضطلاع بأدوارها، وتثمين خصوصياتها، وتعزيز ارتباطها بمستلزمات التنمية الجهوية.

وأضاف أن الاستمرار في مركزية القرار يؤدي إلى وضعية تماثل مؤسساتي، بدل تكامل فعلي، وإلى توزيع إداري للمؤسسات، عوض إدماج فعلي في دينامية التنمية المجالية، مما يحد من قدرة الجامعة على إحداث أثر تنموي متمايز ومستدام.

كما دعا إلى وضع تصور واضح لآليات القيادة، والتتبع، وتوزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين في تنفيذ مشروع تقسيم الجامعات العمومية، مسجلا أن الوثيقة لم تحدد أدوات للتخطيط المفصل، أو آليات للتقييم المرحلي والنهائي، وهو ما يمكن أن يترتب عليه اختلالات مرتبطة بتأخر التنفيذ وضعف الأثر.

وبخصوص المخطط المديري للتعليم العالي، جدد المجلس التأكيد على أن هذا المخطط يعد مدخلا أساسيا لإعادة تأطير مشروع مراجعة الخريطة الجامعية ضمن رؤية إصلاحية شاملة ومندمجة.

ونبه إلى أن القصد من وضع مخطط مديري توجيهي لإعادة هيكلة التعليم العالي وتحقيق تحوله ينبغي أن ينصب على هدف مركزي، يتمثل في جعل الجامعات الوطنية فاعلا أساسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومحركا لانبثاق مجتمع مزدهر، عكس التوجه المحدود الذي يختزل المخطط المديري في البعد الترابي للعرض الجامعي.