رغم مرور أيام على مباراتنا معهم، نعم، معهم وليس ضدهم، لأنهم شعب لا يستحق وصف "الخصم" وإن كان بطعم التنافس الرياضي، لم أفرغ بعد من كل تلك الشحنات الإيجابية التي حقنونا بها، طيلة مقامنا ببوسطن.
إنهم شعب اسكتلندا... أسياد الكرم... ملوك المرح والفرح... أساطير تحويل أي مكان يدخلونه إلى ما يشبه عيادة طب نفسي مفتوحة للعموم... خلقوا بملامح ابتسامة لا تفارق تقاسِيم وجوههم... هم عصارة الفطرة السليمة للإنسان... بل إنهم أرفع مما جال بسر أفلاطون عن عالم المثل... هم السكان الأصليون للمدينة الفاضلة.
هل حلوا ببوسطن الأمريكية لتشجيع منتخب بلادهم ثم انصرفوا دون ترك طابعهم الخاص؟
لا.
لقد تركوا خلفهم ما لن يتوقف الحديث عنه لسنوات. لم يغفلوا أي تفصيلة تخبر العالم بأنهم مختلفون جدا، دعنا نقل، أنهم الأصل، ونحن والباقون المختلفون، البعيدون عن قيم الإنسانية الحقة.
ماذا تركوا لبوسطن؟
تبرعات بقيمة 20 ألف دولار للجمعيات الخيرية، تم جمعها بعين المكان... هبة بقيمة 2000 جنيه إسترليني لجمعية "Horizons for Homeless Children" التي تتكفل بالأطفال في وضعية الشارع...
أما في محيط المدينة حيث كانت أماكن إقامتهم طيلة خمسة أيام... فقاموا بجمع تبرعات فاقت الـ 30 ألف دولار وجهت بدورها إلى الجمعيات الخيرية المحلية... وقدموا تبرعات بقيمة 10 آلاف دولار لوحدة علاج سرطان الأطفال بمستشفى "Hasbro"... فضلا عن توزيعهم لآلاف الدولارات بشكل جماعي عبارة عن إكراميات (Tips) لمستخدمي الفنادق المكلفين بالاستقبال والتنظيف والخدمة...
حديث العالم عنهم، خاصة عندنا نحن الأفارقة والعرب، تم تلخيصه، للأسف، في حجم استهلاكهم للجعة (البيرة). نعم، هم فعلا مستهلكون للمشروب الكحولي بشكل يفوق أي شعب آخر صادفته خلال كل السفريات التي قادتني إلى مختلف دول العالم، لأنهم مؤمنون بشعار يرددونه دائما هو: "Every great moment needs a wee pint… and we’re livin’ !it all the time" (كل الأوقات الجميلة تحتاج قنينة جعة... ونحن نعيشها دائما).
ماذا عن الأجواء التي جمعتهم بالجماهير المغربية؟
مهما حاولت استحضار كل أساليب الوصف والاستعارة والمجاز... لن أبلغ ثلث ارتفاع قمة اللحظات الإنسانية التي نسجوها مع الجمهور المغربي بمقيميه في بوسطن والوافدين عليها من باقي مدن أمريكا والمغرب وكل دول العالم.
إنهم الاستثناء الرائع لكأس العالم، ويجب أن نشكر القرعة التي أوقعتنا معهم لنكتشفهم، نحبهم، لأنهم بعفويتهم التي لا تنضب في كل الظروف والسياقات، دفعونا للتفكير من الآن في زيارة بلدهم، بل إن بعض مغاربة العالم عبروا، خلال أحاديث جانبية بمحيط الملعب يوم المباراة، عن نيتهم التخطيط لنقل مقامهم في الغربة مستقبلا نحو اسكتلندا.
لديهم شعار رياضي خاص بهم، من إبداعهم يقول: "No Scotland, no party!" ... سوف أستعير منهم نصفه لأقول أنا: "No Scotland, no life!"