في وقت تتزايد فيه حدة موجات الحر بفعل التغيرات المناخية، وتحذر المؤسسات الصحية من تداعياتها على صحة المواطنين، يؤكد مختصون أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد مجرد ظرف مناخي عابر، بل تحول إلى تهديد صحي حقيقي يحصد آلاف الأرواح سنويا عبر العالم.
وفي هذا السياق، قدم الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، جملة من المعطيات والتحذيرات، مبرزا أهم المخاطر المرتبطة بموجات الحر، إلى جانب الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تقي من مضاعفاتها وتنقذ الأرواح.
موجات الحر.. قاتل صامت يحصد الآلاف
في ظل تزايد موجات الحر حول العالم وما تخلفه من خسائر بشرية جسيمة، حذر حمضي من الاستهانة بارتفاع درجات الحرارة، مؤكدا أن موجات الحر تحصد آلاف الأرواح كل سنة، رغم أن الوقاية منها تظل ممكنة عبر الالتزام بإجراءات بسيطة وفعالة، تقوم أساسا على ثلاث قواعد: شرب الماء والسوائل، وتبليل الجسم بالماء، وتهويته (Boire, Mouiller, Eventer).
وأشار إلى أن موجات الحر تسببت، على سبيل المثال، في وفاة نحو 15 ألف شخص، معظمهم من كبار السن، بفرنسا خلال ثلاثة أسابيع فقط سنة 2003، فيما بلغ عدد الوفيات على مستوى أوروبا، خلال الفترة نفسها، نحو 70 ألف حالة وفاة، وهو ما يعكس حجم المخاطر الصحية التي قد تترتب عن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، خاصة في صفوف الفئات الأكثر هشاشة.
وأضاف حمضي أن موجات الحر تسببت أيضا في وفاة نحو 56 ألف شخص بروسيا سنة 2010، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تحصد، عاما بعد آخر، عشرات، بل مئات الآلاف من الأرواح عبر العالم. واستشهد، في هذا السياق، بدراسة بريطانية توقعت أن ترتفع الوفيات المرتبطة بموجات الحر بنسبة 257 في المائة في أفق سنة 2050، بفعل التغيرات المناخية والديمغرافية.
وأوضح أن المغرب بدوره يسجل وفيات مرتبطة بموجات الحر، غير أن عددها الحقيقي يظل غير معروف، بسبب غياب التشخيص الدقيق أو عدم ربط الوفاة بالسبب الأصلي، إذ غالبا ما تنسب إلى أسباب صحية أخرى، في حين تكون درجات الحرارة المرتفعة هي العامل الأساسي الذي أدى إليها.
وشدد حمضي على أن هناك إجراءين يكتسيان أهمية بالغة في الوقاية من مضاعفات موجات الحر، يتمثل أولهما في الحرص على شرب الماء بانتظام، معتبرا ذلك ضرورة حيوية بالنسبة للكبار والصغار على حد سواء.
أما الإجراء الثاني، الذي وصفه بكونه بالغ الأهمية، فيتمثل في الحرص على تبليل الجسم بالماء عدة مرات خلال اليوم، خاصة الوجه والأطراف على الأقل، مع تعريض الأجزاء المبللة للهواء الطبيعي أو لتيار المروحة الكهربائية أو اليدوية، ولا سيما بالنسبة لكبار السن. وأوضح أن تبخر الماء من سطح الجسم بهذه الطريقة يساعد على سحب الحرارة من داخله، ويعوض ضعف قدرة المسنين على التعرق مقارنة بالأشخاص الأصغر سنا، مؤكدا أن هذا الإجراء البسيط قد يسهم في إنقاذ حياة آلاف الأشخاص خلال موجات الحر.
كما دعا إلى عدم إغفال احترام التدابير الوقائية من الأمراض المعدية، من قبيل غسل اليدين بالماء والصابون أو استعمال المطهرات الكحولية، وتهوية المنازل والمنشآت، وتجنب لمس الوجه قبل تعقيم اليدين.
موجات الحر.. ثلاثة اضطرابات قاتلة
في السياق ذاته، كشف حمضي أن الاضطرابات الحرارية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي: الاجتفاف، والضربة الحرارية، والضربة الشمسية، محذرا من الاستهانة بارتفاع درجات الحرارة خلال هذه الفترة من السنة.
وأوضح حمضي أن ارتفاع درجات الحرارة في نهاية فصل الربيع وبداية الصيف يكتسي خطورة خاصة، لكون جسم الإنسان لم يتكيف بعد مع هذا الارتفاع، إضافة إلى ما وصفه بـ"الصدمة الحرارية المبكرة"، فضلا عن أن المنظومة الصحية لم تكن قد تهيأت بالكامل للتعامل مع هذا النوع من المضاعفات الصحية الموسمية.
وفي معرض شرحه للمخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، أفاد حمضي أن الاضطرابات الحرارية التي قد تصيب الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي: اجتفاف الجسم، والضربة الحرارية، والضربة الشمسية، مبرزا أن لكل منها أسبابا وأعراضا ومضاعفات تختلف بحسب طبيعة التعرض للحرارة ومدته.
وفي ما يتعلق باجتفاف الجسم، أشار إلى أن جسم الإنسان يعتمد على آلية التبريد بالتبخر للحفاظ على درجة حرارة تقارب 37 درجة مئوية، وذلك من خلال توسع الأوعية الدموية المحيطية وإفراز الغدد العرقية للماء والأملاح المعدنية. وأكد أن عدم تعويض هذا الفقدان يؤدي إلى الإصابة بالاجتفاف، مشيرا إلى أن هذا الخطر يرتبط أساسا بموجات الحر الممتدة التي تستمر عدة أيام متتالية، ويهدد بشكل خاص العمال في الهواء الطلق، وكبار السن بسبب تراجع الإحساس بالعطش مع التقدم في العمر، فضلا عن الأطفال والرضع، نظرا لصغر حجم أجسامهم وسرعة فقدانهم للسوائل.
وفي ما يتعلق بأعراض اجتفاف الجسم، أشار حمضي إلى أنها تتجلى أساسا في جفاف الفم واللسان، وانخفاض ضغط الدم، والصداع، إلى جانب انخفاض حاد في كمية البول وازدياد قتامة لونه. واعتبر أن إهمال تعويض السوائل والأملاح المعدنية التي يفقدها الجسم قد يفضي إلى مضاعفات صحية خطيرة، قد تصل إلى القصور الكلوي الحاد.
من حروق الشمس إلى الضربة الحرارية
أما بخصوص سبل الوقاية، فدعا إلى شرب الماء بانتظام بمعدل يتراوح بين لترين وثلاثة لترات يوميا، دون انتظار الإحساس بالعطش، مع تفادي الخروج أو بذل مجهود بدني خلال ساعات الذروة الإشعاعية، الممتدة ما بين الساعة الحادية عشرة صباحا والرابعة بعد الزوال. كما أوصى بارتداء قبعات واقية تغطي الرأس والرقبة والجبهة، وملابس قطنية فضفاضة وفاتحة اللون، مع استعمال واقٍ شمسي طبي وإعادة وضعه كل ساعتين عند التعرض لأشعة الشمس.
أما الضربة الحرارية، فاعتبر حمضي أنها من أخطر الاضطرابات الحرارية، وتمثل حالة استعجالية طبية تهدد الحياة، موضحا أنها تنتج عن فشل حاد ومفاجئ في مركز تنظيم حرارة الجسم على مستوى الدماغ، مما يؤدي إلى توقف آليات التبريد، وعلى رأسها التعرق، لترتفع درجة حرارة الجسم الداخلية بسرعة وتتجاوز 40 إلى 41 درجة مئوية. وأضاف أن هذا الاضطراب لا يحتاج إلى التعرض للحرارة لأيام، بل قد يحدث في غضون ساعة إلى أربع ساعات فقط من التعرض المباشر لأشعة الشمس القوية، خاصة في غياب حماية الرأس.
وبخصوص أعراضها، لفت إلى أنها تتجلى في ارتفاع شديد لدرجة حرارة الجسم يتجاوز 40 درجة مئوية، مع جلد ساخن وجاف تماما نتيجة غياب التعرق، فضلا عن اضطرابات عصبية وسلوكية حادة قد تصل إلى الهذيان والتشنجات وفقدان الوعي الكامل. وأكد أن التعامل مع هذه الحالة يفرض خفض حرارة الجسم بشكل فوري، عبر نقل المصاب إلى مكان مظلل، ورش جسمه بالماء البارد، واستعمال المروحة أو الكمادات الباردة. وإذا كان المصاب في كامل وعيه يمكن إعطاؤه الماء، أما إذا كان في حالة شبه غيبوبة أو فاقدا للوعي، فيمنع منعا باتا إدخال السوائل إلى فمه تفاديا لخطر الاختناق، مع ضرورة نقله على وجه السرعة إلى المستشفى.
أما الضربة الشمسية، أو ما يعرف بحروق الشمس، فأبرز حمضي أنها تنتج عن اختراق الأشعة فوق البنفسجية، ولا سيما من نوع "ب"، للطبقات السطحية والمتوسطة من الجلد، مما يؤدي إلى تدمير الخلايا. وأشار إلى أن التأثير الموضعي يظهر بعد ساعات قليلة من التعرض لأشعة الشمس، غير أن تداعياته قد تمتد على المدى البعيد وتخلف مضاعفات صحية خطيرة.
وأشار إلى أن أبرز أعراض الضربة الشمسية تتمثل في احمرار شديد للجلد، وألم حارق عند اللمس، وتورم موضعي، إلى جانب ظهور فقاعات مائية تمثل حروقا من الدرجة الأولى أو الثانية، تعقبها مرحلة تقشر الجلد. كما حذر من أن الأشعة فوق البنفسجية ذات تأثير تراكمي، إذ إن تكرار التعرض لحروق الشمس يحدث تغيرات في الحمض النووي لخلايا الجلد، مما يزيد مستقبلا من خطر الإصابة بسرطانات الجلد.
موجات الحر.. خطوات للحد من المضاعفات
وفي سياق متصل، قدم حمضي جملة من الإرشادات الوقائية للتعامل مع موجات الحر، محذرا من أن ارتفاع درجات الحرارة، في غياب الاحتياطات اللازمة، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، قد تصل في بعض الحالات إلى الوفاة، نتيجة الإصابة باجتفاف الجسم، أو الضربة الحرارية، أو الاثنتين معا.
وأكد أن هذه المخاطر لا تقتصر على فئة بعينها، بل قد تطال جميع الأشخاص، مع ارتفاع مستوى الخطورة لدى الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المسنون والأطفال، الأمر الذي يستوجب الالتزام بالتدابير الوقائية لتفادي المضاعفات المرتبطة بموجات الحر.
وفي هذا الإطار، دعا حمضي إلى التقيد بجملة من التدابير الوقائية من طرف الجميع، لمواجهة موجات الحر والحد من مضاعفاتها الصحية، دون انتظار ظهور علامات الخطر المرتبطة بالاجتفاف أو الضربة الحرارية، مثل العياء، والدوار، والعطش الشديد، والصداع، والتشنجات العضلية، والغثيان، والقيء، والإسهال، والهذيان، أو فقدان الوعي.
وفي مقدمة هذه التدابير، حث على الحرص على شرب الماء والسوائل بشكل منتظم حتى قبل الإحساس بالعطش، مع عدم الاكتفاء بالماء وحده، وإنما تناول العصائر، والشوربة، والفواكه، والخضر، لتعويض الأملاح المعدنية التي يفقدها الجسم، مع تجنب شرب الشاي، والقهوة، والمشروبات السكرية، لما قد تسببه من زيادة في فقدان السوائل أو عدم تحقيق الترطيب الكافي.
كما أوصى حمضي بالحرص على تبريد الجسم بشكل متكرر، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، وذلك عبر الاستحمام بالماء عدة مرات في اليوم متى أمكن، مع ترك الجسم يجف طبيعيا دون استعمال المنشفة، أو الاكتفاء برش الجسم بالماء أو تبليل الوجه والأطراف والجذع. ونصح أيضا بتعريض الأطراف المبللة للهواء الطبيعي أو لتيار المروحة، لاسيما لدى كبار السن، لما لذلك من دور في خفض حرارة الجسم.
ودعا، في السياق ذاته، إلى اعتماد نظام غذائي خفيف يقوم على تناول وجبات صغيرة ومتعددة على امتداد اليوم، مع الإكثار من الخضر والفواكه، لما توفره من ماء وأملاح معدنية تساعد الجسم على تعويض ما يفقده بفعل ارتفاع درجات الحرارة، دون إرهاق الجهاز الهضمي.
كما أوصى بالحفاظ على برودة المنازل خلال ساعات النهار، عبر إغلاق النوافذ للحد من تسرب الحرارة إلى الداخل، مع فتح الأبواب والنوافذ ليلا وخلال الساعات الأولى من الصباح لخلق تيار هوائي يساهم في تجديد الهواء وتلطيف الأجواء. كما دعا إلى استعمال أجهزة التكييف عند توفرها، أو الاعتماد على المراوح، خاصة بعد تبليل الجسم بالماء، لما لذلك من دور في خفض حرارة الجسم.
ودعا كذلك إلى تفادي الخروج خلال الفترات الأشد حرارة، الممتدة من الساعة الحادية عشرة صباحا إلى التاسعة مساء، مؤكدا أنه عند الضرورة ينبغي ارتداء ملابس قطنية خفيفة وفضفاضة وفاتحة اللون، مع وضع قبعة واسعة لحماية الرأس، وتجنب الأنشطة البدنية المجهدة، والحرص على البقاء في الظل كلما أمكن ذلك.
ونبه حمضي إلى ضرورة عدم ترك الأطفال، أو المسنين، أو المرضى، أو الأشخاص في وضعية إعاقة داخل السيارات، ولو لفترات قصيرة، لما يشكله ذلك من خطر بالغ قد يهدد حياتهم نتيجة الارتفاع السريع لدرجة الحرارة داخل المركبات المغلقة.
كما دعا المؤسسات الصحية، ومراكز إيواء المسنين، وباقي الفضاءات التي تؤوي الفئات الهشة، إلى توفير قاعات مكيفة لفائدتهم، أو، عند تعذر ذلك، تخصيص فضاءات مكيفة يتناوبون على الوجود بها لمدة تتراوح بين ثلاث وأربع ساعات لكل مجموعة، بما يحد من الإجهاد الحراري ويقلل من مخاطر المضاعفات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.